الملخّص:
تعرّض الكاتب في هذه المقالة إلى الأخذ بظلامة الإمام الحسينg في يوم محشر القيامة، وبيّن فيها أسباب عرض الظلامة في يوم القيامة؛ وذلك لأهمية يوم القيامة وكونه يوم المعاد ويوم الجزاء، ثم دفع إشكال أنّ يوم القيامة ليس يوم حزنٍ على المؤمن فكيف تُعرض فيه الظلامات.
وبعد ذلك عرض الأدلة والشواهد على الانتقام الإلهي من قتلة الحسينg والأخذ بظلامته في العوالم المختلفة.
تمهيد:
للإمام الحسينg مقاماتٌ أخرويّة متعدّدة، منها:
المقام الأول: مقام السيّادة
فقد روى الخاصّة والعامّة عن النبيّ الأعظمe: >اَلْحَسَنُ واَلْحُسَينُ سَيّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّة<([1]).
بل ذكر غير واحدٍ من علماء العامّة أنّه من الأحاديث المتواترة، كالشيخ الكتاني في كتابه (نظم المتناثر في الحديث المتواتر)([2])، والشيخ الألباني في كتابه سلسلة الأحاديث الصحيحة؛ حيث قال: "وبالجملة فالحديث صحيح بلا ريب، بل هو متواتر كما نقله المناوي، وكذلك الزيادات فهي صحيحة ثابتة"([3]).
المقام الثاني: مقام الشفاعة
فقد جاء في زياراتهg: >وإن شَفَعْتَ شُفِّعْتَ<([4])، و>فكُنْ لي شفيعًا<([5])، >اللهم ارزقني شفاعة الحسين يوم الورود<([6]).
المقام الثالث: الشّهادة على الأعمال
ومِن شواهد ذلك: ما عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ g: >فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} قَالَ أَبُو جَعْفَرٍg: مِنَّا شَهِيدٌ عَلَى كُلِّ زَمَانٍ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ g فِي زَمَانِهِ، وَالْحَسَنُ g فِي زَمَانِهِ، وَالْحُسَيْنُ g فِي زَمَانِهِ، وَكُلُّ مَنْ يَدْعُو مِنَّا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ<([7]).
المقام الرابع: الانتقام الإلهي لشهادة سيّد الشهداءg
تشير جملة من النصوص إلى أنّ الله -سبحانه وتعالى- سيُظْهِر في يوم المحشر ظلامةَ أبي عبد الله الحسينg، وسينتقم ممّن ظلمه وقتله.
وهذا المقام هو ما نريد الوقوف عنده في هذه المقالة -إن شاء الله تعالى-؛ وذلك ضمن المحاور التالية:
المحور الأول: سبب اختيار يوم القيامة موعداً لإبراز الظلامة والانتقام.
المحور الثاني: دفع إشكاليّة منافاة الحزن مع يوم القيامة.
المحور الثالث: عرض الأدلة والشواهد على إبراز الظلامة والانتقام يوم القيامة.
وإليك بيانها:
المحور الأول: سبب اختيار يوم القيامة موعدًا لإبراز الظلامة والانتقام
ما هو السبب والحكمة في اختيار يوم القيامة موعداً لإظهار ما جرى على سيّد الشّهداءg والانتقام من أعدائه وقتلته ومن حاربه؟
يمكن أن تُذكَر لذلك عدّة أسباب:
السبب الأوّل: أهميّة يوم القيامة
بملاحظة آيات الذكر الحكيم والسنّة المطهّرة نجد تركيزاً بالغاً على مسألة "المعاد"، فقد جاء ذكر المعاد في 1400 آية أو أكثر، ولا تجد سورةً لا يوجد فيها ذكر للمعاد إمّا تصريحاً وإمّا تلويحاً.
وتكمن هذه الأهميّة في جهات، منها:
الجهة الأولى: المعاد مظهر العدل الإلهيّ([8])
للعقل -كما عليه العدليّة- قابليّةُ إدراك حسن الفعل أو قبحه واقعاً، وممّا يدركه حسنُ العدل، وقبحُ الظلم، وبما أنّ الله -تعالى- منزّه عن كلّ نقصٍ أو عيبٍ أو قبحٍ فهو عادل، بل هو مصدر العدل، ويوم القيامة موعد لانكشاف عدله أمام جميع الخلائق، قال تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} (سورة يونس:4).
فلا بدّ من يومٍ تُوَفّى فيه كلُّ ما نفسٍ ما كسبت، إنْ خيراً فخير، وإنْ شرّاً فشرّ، وليس من عدل الله أن يُساوَى بين العاصي والمطيع، قال تعالى:{أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (سورة القلم:35-36).
الجهة الثانية: المعاد إحقاق للوعد الإلهيّ([11])
وعَد الله -عزّ وجلّ- عباده الصّالحين بالإحسان، وتوعّد العاصين بالعقاب، ومِن ذلك قوله -تبارك وتعالى-: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّـهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ}(سورة يونس:26-27).
وإذ اقتضت حكمته ألا يكون إحقاق ذلك في عالم الدّنيا؛ فإنّ موعِد تنفيذ الوعد والوعيد هو يوم القيامة.
أمّا وعده للمؤمنين فلا يُخْلِفُه؛ لأنّ ذلك قبيح، والله a منزّه عن كلّ قبيح، وقد جاء في الذّكر الحكيم: {لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ}(سورة الزمر:20)، وأمّا وعيده للكافرين والعاصين فله أن يغضّ النظر عنه؛ لأنّه حقّه، قال-عزّ وجلّ-: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ}(سورة الشّورى:25).
وقد أجاد بعض الشّعراء في توصيف هذا المعنى؛ حيث قال:
إذا وعدَ السّراء أنجز وعده وإن أوعد الضرّاء فالعفو مانعُه
الجهة الثالثة: المعاد من مقوّمات الإسلام
ذكر غير واحدٍ من علمائنا الأبرار أنّ المعاد من مقوّمات الإسلام، وله موضوعيّة في تحقّقه؛ فمُنْكِره أو الجاهل به ليس بمسلم، وممّن أشار إلى ذلك السيّد الخوئيS: "قد اعتُبر في الشريعة المقدّسة أمور على وجه الموضوعية في تحقّق الإسلام، بمعنى أنّ إنكارها أو الجهل بها يقتضي الحكم بكفر جاهلها أو منكرها، وإن لم يستحقّ بذلك العقاب؛ لاستناد جهله إلى قصوره وكونه من المستضعفين.
فمنها: الاعتراف بوجوده (جلّت عظمته) ووحدانيته في قبال الشّرك، وتدلّ على اعتبار ذلك جملة من الآيات والروايات وهي من الكثرة بمكان.
ومنها: الاعتراف بنبوّة النبيّ ورسالته e وهو أيضًا مدلول جملة وافية من الأخبار والآيات، منها قوله عزّ من قائل: {وإن كنتم في ريب مما نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدّت للكافرين}.
ومنها: الاعتراف بالمعاد، وإن أهمله فقهاؤنا U إلاّ أ نّا لا نرى لإهمال اعتباره وجهًا، كيف وقد قُرِن الإيمان به بالإيمان بالله -سبحانه- في غير واحد من الموارد على ما ببالي كما في قوله -عزّ من قائل-: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}، وقوله: {إن كنّ يؤمنّ بالله واليوم الآخر}، وقوله: {من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر}، وقوله: {من آمن بالله واليوم الآخر} إلى غير ذلك من الآيات، ولا مناص معها من اعتبار الإقرار بالمعاد على وجه الموضوعيّة في تحقّق الإسلام"([15]).
السبب الثاني: المعاد يوم الجزاء الأوفى
مِن أبرز الأسباب لإظهار مظلوميّة سيّد الشّهداءg والقصاص من ظالميه في يوم القيامة أنّ هذا اليوم هو يوم الجزاء الأوفى، قال الله -تعالى- في محكم كتابه الكريم: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى}(سورة النجم:39-41).
فهناك ثلاثة أصول عقائديّة في هذه الآيات ([17]):
1- الأصل الأول: أنّ الإنسان مسؤول عن ما يقوم به في الدّنيا من أعمال، وأنّ أعماله ستحضر بين يديه يوم القيامة، قال -عزّ من قائل-: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} (آل عمران:30).
2- الأصل الثاني: ليس للإنسان إلا ما كسبه في هذه الدنيا، ومما يدلّ على ذلك ما ورد عن أمير المؤمنينg: >العمل الصّالح حرْث الآخرة< ([19]).
3- الأصل الثالث: أنّ جزاءه مطابق لعمله، ففي يوم الحساب يُجْزَى الإنسان الجزاء الأوفى الأتمّ، الجزاء المطابق لعمله في الدّنيا، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.
ومِن هنا فإنّ ظالمي سيّد الشّهداءg سينالون جزاءهم الأوفى الأتمّ في محكمة العدل الإلهيّ، وقد أُشِير إلى ذلك في جملة من النّصوص، منها: ما ورد عن النبيّ الأعظمe: >إنَّ قاتِلَ الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ g في تابوتٍ مِن نارٍ، عَلَيهِ نِصفُ عَذابِ أهلِ الدُّنيا، وقَد شُدَّت يَداهُ ورِجلاهُ بِسَلاسِلَ مِن نارٍ، مُنَكَّسٍ فِي النّارِ، حَتّى يَقَعَ في قَعرِ جَهَنَّمَ، ولَهُ ريحٌ يَتَعَوَّذُ أهلُ النّارِ إلى رَبِّهِم مِن شِدَّةِ نَتنِهِ، وهُوَ فيها خالِدٌ ذائِقُ العَذابِ الأَليمِ، مَعَ جَميعِ مَن شايَعَ عَلى قَتلِهِ، كُلَّما نَضِجَت جُلودُهُم بَدَّلَ اللّه ُa عزّ وجلّ عَلَيهِمُ الجُلودَ، حَتّى يَذوقُوا العَذابَ الأَليمَ، لا يُفَتَّرُ عَنهُم ساعَةً، ويُسقَونَ مِن حَميمِ جَهَنَّمَ، فَالوَيلُ لَهُم مِن عَذابِ اللّه ِ تَعالى فِي النّارِ<([20]).
السبب الثّالث: إبراز منزلة الحسين g عند الله
ومِن الأسباب أيضاً أنّ الله -تعالى- جعل يوم القيامة موعِداً لإبراز فضل أهل البيتi، ومكانتهم، ومقامهم، ومن شواهد ذلك: ما عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد h قال: >قال جابر لأبي جعفر g: جُعِلْت فداك يا ابن رسول اللّه، حدّثني بحديثٍ في فضل جدّتك فاطمة j إذا أنا حدّثت به الشيعة فرحوا بذلك. قال أبو جعفر عليه السّلام: حدّثني أبي، عن جدّي، عن رسول اللّه e، قال: إذا كان يوم القيامة نُصِب للأنبياء و الرّسل منابر من نور، فيكون منبري أعلى منابرهم يوم القيامة، ثمّ يقول اللّه: يا محمّد، اخطب. فأخطب بخطبة لم يسمع أحدٌ من الأنبياء و الرسل بمثلها. ثمّ ينصب للأوصياء منابر من نور، و ينصب لوصيّي عليّ بن أبي طالب g في أوساطهم منبر من نور فيكون منبره أعلى منابرهم. ثمّ يقول اللّه: يا عليّ، اخطب، فيخطب بخطبة لم يسمع أحدٌ من الأوصياء بمثلها. ثمّ ينصب لأولاد الأنبياء و المرسلين منابر من نور، فيكون لابنيّ و سبطيّ و ريحانتيّ أيّام حياتي منبر من نور، ثمّ يقال لهما: اخطبا. فيخطبان بخطبتين لم يسمع أحد من أولاد الأنبياء و المرسلين بمثلهما. ثمّ ينادي المنادي و هو جبرئيل g: أين فاطمة بنت محمّد ؟ أين خديجة بنت خويلد ؟ أين مريم بنت عمران ؟ أين آسية بنت مزاحم ؟ أين أمّ كلثوم أمّ يحيى بن زكريّا ؟ فيقُمْنَ، فيقول اللّه تبارك وتعالى: يا أهل الجمع لمن الكرم اليوم؟ فيقول محمّد و عليّ و الحسن و الحسين: للّه الواحد القهّار؛ فيقول اللّه تعالى: يا أهل الجمع، إنّي قد جعلت الكرم لمحمّد و عليّ و الحسن و الحسين و فاطمة، يا أهل الجمع، طأطئوا الرؤوس<([21]).
المحور الثاني: دفع إشكاليّة منافاة الحزن مع يوم القيامة
قد يقولُ البعض: لا يمكن القبول بالرّوايات التي تُبرز جانب الحزن والمأساة على سيّد الشّهداءg في يوم القيامة؛ لأنّ يوم القيامة هو اليوم فوز الأبرار والصّالحين، فهم آمنون من الفزع الأكبر، وأسرع النّاس إلى دخول جنّة الخلد، قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾(الأنبياء:103)، وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾(النمل:89).
ويُجاب عن ذلك:
أوّلًا: بأنّ موقف إبراز الحزن على سيّد الشّهداءg هو أحد مواقف المحشر المتعدّدة، قبل الحساب ودخول المحسنين إلى الجنّة.
وثانيًا: المنفيّ عن ساحة الأنبياء والأولياءi هو الحزن الناشئ من هول يوم القيامة، أمّا الحزن لجهات أُخَر فلم يرد دليل على نفيه.
وثالثًا: هناك جملة من الآيات والروايات التي تدلّ على أنّ بعض الأنبياء والأولياء يشعرون بالحزن ويبثّون شكايتهم إلى الله من حيثيّات متعدّدة، نذكر في المقام بعضها:
1- ما ورد في كتب الفريقين عن أمير المؤمنينg: >وأنا أول من يجثو للخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة<([24]).
2- قال اللهa: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾(الفرقان:30).
فمن الواضح أنّ لسان الكلام ولحن القول فيه بثّ للشّكاية والظّلامة.
المحور الثالث: عرْض الأدلة والشواهد على إبراز الظلامة والانتقام يوم القيامة
توجد جملة من الرّوايات والشّواهد التي تدلّ على أنّ الله a سيُبرز ظلامة سيّد الشّهداءg وسينتقم ممن ظلمه وقتله، ونجعل الكلام في ذلك ضمن ثلاث نقاط:
النقطة الأولى: مراحل الانتقام الإلهيّ من قتلة الحسينg
لا بدّ من الإلفات إلى أنّ هذه السّطور وإن كان الغرض منها الوقوف على عقاب ظالمي الإمام الحسينg في يوم القيامة، إلا أنّ العقاب الإلهيّ -كما هو واضح- ليس محصوراً بعالم الآخرة، بل إنّ العقاب الإلهيّ يقع ضمن أربع مراحل:
المرحلة الأولى: في عالم الدنيا
ممّا ثبت بالشّواهد الرّوائيّة والتّاريخيّة أنّ قتلة الإمام الحسينg قد نالوا عقاباً دنيويّاً، لكنّه ليس العقاب النّهائيّ، فقد روىٰ الخوارزمي في المقتل، عن مينا أنّه قال: "ما بقي من قتلة الحسين أحدٌ لم يُقتَل إلاّ رُمِي ببلاء في جسده قبل أن يموت"([26]).
ونقل سبط ابن الجوزي عن الزهري أنّه قال: "ما بقي منهم أحدٌ إلاّ وعوقب في الدنيا، إمّا بالقتل، أو العمىٰ، أو سواد الوجه، أو زوال الملك في مدّة يسيرة"([27]).
وفي المقام أذكر بعضًا منهم مما أورده ابن نما الحليN في "ذوب النضّار"([28]):
1- عاقبة سنان بن أنس:
هرب سنان بن أنس W إلىٰ البصرة فهدم داره، ثمّ خرج من البصرة نحو القادسيّة، وكان عليه عيون، فأخبروا المختار، فأخذه بين العُذيب والقادسيّة، فقطّع أنامله ثمّ يديه ورجليه، وأغلىٰ زيتاً في قدر وألقاه فيه.
2- عاقبة خولي بن يزيد الاصبحيّ:
بعث المختار أبا عمرة، فأحاط بدار خولّي بن يزيد الأصبحي، وهو حامل رأس الحسينg إلى عبيداللّه بن زياد، فخرجت امرأته إليهم وهي النوّار ابنة مالك -كما ذكر الطبري في تأريخه- وقيل: اسمها العيّوف، وكانت محبّة لأهل البيتi، قالت: لا أدري أين هو!؟ وأشارت بيدها إلىٰ بيت الخلاء! فوجدوه وعلى رأسه قوصرة، فأخذوه وقتلوه، ثمّ أمر بحرقه.
3- عاقبة حكيم بن الطفيل السنبسي:
بعث المختار عبد اللّه بن كامل إلىٰ حكيم بن الطفيل السنبسي، وكان قد أخذ سلب العبّاس ورماه بسهم، فأخذوه قبل وصوله إلى المختار، ونصبوه هدفًا، ورموه بالسّهام.
المرحلة الثانية: في عالم الرّجعة
هناك بعض الروايات التي تشير إلى أنّ سيّد الشّهداءg سيكون أوّل الرّاجعين في عالم الرّجعة ومعه أنصاره، وسيرجع يزيد وأعوانه، وسينتصر الله -تعالى- لسيّد الشّهداءg، ويقتل أعداءه حَذْوَ القُذّة بالقُذّة، ونذكر في المقام بعض الروايات الدّالة على ذلك:
1- ما عن رفاعة بن موسى قال: قال أبو عبد الله g: >إن أوّل من يكرّ إلى الدنيا الحسين بن علي g وأصحابه، ويزيد بن معاوية و أصحابه، فيقتلهم حذو القُذّة بالقُذّة، ثم قال أبو عبد الله g: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا<([29]).
2- ما رواه ابن قولويه بسندٍ صحيح عن بريد بن معاوية العجلي، قال: قلت لأبي عبد اللهg: >يا بن رسول الله أخبرني عن إسماعيل الذي ذكره الله في كتابه حيث يقول: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنهُ كان صادق الوعدِ وكانَ رسولًا نبيًّا}، أكان إسماعيل بن إبراهيمg، فإنّ الناسَ يزعمون أنهُ إسماعيل بن إبراهيم، فقالg: إنّ إسماعيل مات قبل إبراهيم، وإنّ إبراهيم كان حجّة لله كلّها قائمًا صاحب شريعة، فإلى من أُرْسِل إسماعيل إذن، فقلت: جُعِلت فداك فمن كان؟
قالg: ذاك إسماعيل بن حزقيل النبيّg، بعثهُ الله إلى قومه فكذّبوه فقتلوهُ وسلخوا وجهه، فغضبَ الله له عليهم فوجّه إليه اسطاطائيل ملكَ العذاب، فقال له: يا إسماعيل أنا اسطاطائيل ملكُ العذاب، وجّهني إليك ربّ العزّة لأعذّبَ قومك بأنواع العذاب إن شئت، فقال له إسماعيل: لا حاجة لي في ذلك.
فأوحى الله إليه فما حاجتك يا إسماعيل، فقال: يا ربّ إنّك أخذت الميثاق لنفسك بالربوبية، ولمحمّدٍ بالنبوّة، ولأوصيائه بالولاية، وأخبرت خير خلقك بما تفعل أمته بالحسين بن عليh من بعد نبيّها، وإنّك وعدتَ الحسينg أن تكرّهُ إلى الدنيا حتى ينتقم بنفسه ممّن فعل ذلك به، فحاجتي إليك يا ربّ أن تكرّني إلى الدنيا حتى أنتقم ممّن فعل ذلك بي كما تكرّ الحسينg، فوعد الله إسماعيل بن حزقيل ذلك، فهو يكرّ مع الحسين[30]).
المرحلة الثالثة: في البرزخ
دلّت جملة من الآيات والرّوايات على أنّ عالم البرزخ إمّا أن يكون على الإنسان نعيماً وإمّا أن يكون جحيماً، ولا ريب أنّ قتلة سيّد الشهداءg وظالميه في جحيم، وعقاب أليم.
وتوجد جملة من الشّواهد على أصل الكبرى:
1- قوله تعالى في سورة غافر: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾(غافر:45-46).
فإنّ آل فرعون قبل أن تقوم الساعة يُعرَضون على النّار غدوّاً وعشيّاً، وحين تقوم الساعة يدخلون إلى أشدّ العذاب.
2- ما روي عن أبي عبد الله الصادقg: >وَاَللَّهِ إِنَّ اَلْقَبْرَ لَرَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ اَلْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ اَلنَّار<([32]).
3- معتبرة أبي بصير قال: >سمعتُ أبا عبد الله g يقول: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ قال: في قبره، ﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ قال: في الآخرة، ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ في قبره ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ في الآخرة<([33]).
4- ومن ذلك أيضاً ما ورد عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الْجَازِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِg: >أَيْنَ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي حُجُرَاتٍ فِي الْجَنَّةِ، يَأْكُلُونَ مِنْ طَعَامِهَا، وَيَشْرَبُونَ مِنْ شَرَابِهَا، وَيَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَقِمْ لَنَا السَّاعَةَ لِتُنْجِزَ لَنَا مَا وَعَدْتَنَا، قَالَ: قُلْتُ: فَأَيْنَ أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ؟ فَقَالَ: فِي حُجُرَاتٍ فِي النَّارِ، يَأْكُلُونَ مِنْ طَعَامِهَا، وَيَشْرَبُونَ مِنْ شَرَابِهَا، وَيَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَا تُقِمْ لَنَا السَّاعَةَ لِتُنْجِزَ لَنَا مَا وَعَدْتَنَا<([34]).
المرحلة الرابعة: في القيامة
من المسلّمات الدّينيّة أنّ يوم القيامة هو يوم الحساب، قال الله تعالى: {واتّقوا يومًا تُرجعون فيه إلى الله ثمَّ تُوفّى كلُّ نفسٍ مَا كسبت وهم لَا يظْلمُونَ}(البقرة:281).
وسيأتي عرْض الشّواهد على ما يجري على قتلة الإمام الحسينg في يوم القيامة، وأنّهم سوف يلقون عذاباً شديداً.
النقطة الثانية: عرض شواهد إبراز الظلامة الحسينيّة
توجد جملة الرّوايات والنّصوص الواردة في بيان إبراز الظلامة الحسينيّة في يوم القيامة؛ ومن غير البعيد أنّها تبلغ حدّ الاستفاضة، وإليكَ بعضها:
1- ما رواه الشيخ المفيد في الأمالي قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن موسى الصدوق قال: حدَّثنا أبي قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله جعفر بن محمدh قال: >إذا كان يوم القيامة جمع اللهُ الأولين والآخرين في صعيدٍ واحد ثم أمر مناديًّا فنادى: غضُّوا أبصاركم ونكِّسوا رؤوسكم حتى تجوز فاطمة ابنة محمد e الصراط. قال: فتغضّ الخلائق أبصارهم فتأتي فاطمةj على نجيبٍ من نُجبِ الجنة يُشيُّعها سبعون ألف ملك، فتقفُ موقفًا شريفًا من مواقف القيامة، ثم تنزلُ عن نجيبها فتأخذُ قميص الحسين بن عليh بيدها مُضمَّخًا بدمه، وتقول: يا ربِّ هذا قميصُ ولدي وقد علمتَ ما صُنع به. فيأتيها النداء من قِبل الله a: يا فاطمة لك عندي الرضا، فتقول: يا ربِّ انتصر لي من قاتله، فيأمر الله تعالى عَنَقًا من النار فتخرج من جهنَّم فتلتقطُ قتلة الحسين بن عليh كما يلتقطُ الطيرُ الحبَّ، ثم يعود العنَق بهم إلى النار فيُعذَّبون فيها بأنواع العذاب، ثم تركبُ فاطمةj نجيبها حتى تدخل الجنَّة، ومعها الملائكة المشيِّعون لها، وذريَّتُها بين يديها، وأولياءهم من الناس عن يمينها وشمالها<([36]).
2- ما رواه الشيخ الصدوق N في عيون أخبار الرضاg: بأسانيد ثلاثة، عن الرضا عن آبائهi قال: قال رسول اللهe: >تُحشَر ابنتي فاطمة يوم القيامة ومعها ثيابٌ مصبوغة بالدم فتتعلَّق بقائمةٍ من قوائم العرش فتقول: يا عدلُ أحكم بيني وبين قاتل ولدي، قال رسول اللهe: فيحكم لابنتي وربِّ الكعبة، وإنَّ الله عزَّ وجل يغضبُ لغضب فاطمة ويرضى لرضاها<([37]).
3- ما رواه فرات بن إبراهيم الكوفي في تفسيره عن سليمان بن محمد بإسناده عن ابن عباس قال: سمعتُ أمير المؤمنينg يقول: >دخل رسولُ اللهe ذات يوم على فاطمة وهي حزينة فقال لها: ما حزنك يا بنيَّة؟ قالت: يا أبة ذكرتُ المحشر ووقوف الناس عراة يوم القيامة .. ثم ينادي منادٍ من تحت العرش يسمع الخلائق: غضُّوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمدe ومَن معها، فلا ينظر إليكِ يومئذٍ إلا إبراهيم خليل الرّحمن وعليُّ بن أبي طالب، ويطلب آدمُ حواءَ فيراها مع أمِّكِ خديجة أمامك، ثم يُنصَب لكِ منبر من النور فيه سبع مراق، بين المرقاة إلى المرقاة صفوف الملائكة، بأيديهم ألوية النور، ويصطفُّ الحور العين عن يمين المنبر، وعن يساره، وأقرب النساء منك عن يسارك حواء وآسية، فإذا صرتِ في أعلى المنبر أتاكِ جبرئيل فيقول لك: يا فاطمة سلي حاجتك فتقولين: يا ربِّ أرني الحسن والحسين، فيأتيانك وأوداج الحسين تشخبُ دمًا وهو يقول: يا ربِّ خذْ لي اليوم حقِّي ممَّن ظلمني، فيغضب عند ذلك الجليل، وتغضبُ لغضبه جهنَّم والملائكة أجمعون، فتزفرُ جهنَّم عند ذلك زفرة، ثم يخرج فوجٌ من النار ويلتقط قتلة الحسين ..<([38]).
4- ما رواه فرات بن إبراهيم الكوفي في تفسيره قال: حدَّثني الحسين بن سعيد باسناده: عن جعفرٍ عن أبيهg قال: قال رسول اللهe: >إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش: يا معشر الخلائق غضُّوا أبصاركم حتى تمرَّ بنتُ حبيب الله إلى قصرها .. فتمرُّ وعليها ريطتان خضراوان حواليها سبعون الف حوراء، فإذا بلغت إلى باب قصرها وجدت الحسن قائمًا والحسين نائمًا مقطوع الرأس فتقول للحسن: مَن هذا؟ فيقول: هذا أخي إنَّ أمَّة أبيك قتلوه وقطعوا رأسه، فيأتيها النداء من عند الله يا بنت حبيب الله إنِّي إنَّما أريتُك ما فعلتْ به أمَّةُ أبيك إنِّي ادَّخرتُ لكِ عندي تعزيةً بمصيبتك فيه، وإنِّي جعلتُ تعزيتك اليوم أني لا أنظر في محاسبة العباد حتى تدخلي أنت وذريتك وشيعتك ..<([39]).
5- ما رواه الشيخ الصدوق N في ثواب الأعمال: بسنده عن شريك يرفعه قال: قال رسول اللهe: >إذا كان يوم القيامة جاءت فاطمةj في لُمّةٍ من نسائها فيُقال لها: اُدْخُلي الجنَّة فتقول: لا أدخلُ حتى أعلم ما صُنِع بولدي من بعدي فيُقال لها: اُنظُري في قلب القيامة، فتنظر إلى الحسينg قائمًا وليس عليه رأس، فتصرخُ صرخةً وأصرخُ لصراخها، و تصرخُ الملائكةُ لصراخنا، فيغضب الله a لنا عند ذلك فيأمر نارًا يُقال لها: هبهب قد أُوقِد عليها ألفَ عام حتى اسودَّت لا يدخلها رَوحٌ أبدًا ولا يخرج منها غمٌّ أبدًا، فيُقال لها: التقطي قتلة الحسينg فتلتقطهم. فإذا صاروا في حوصلتها، صهلتْ وصهلوا بها، وشهقتْ وشهقوا بها، وزفرت وزفروا بها، فينطقون بألسنة ذَلِقة طَلِقة: يا ربّنا أوجبتَ لنا النار قبل عبدة الأوثان ..<([40]).
6- ما رواه الشيخ الصدوق N في ثواب الأعمال بسنده إلى عنبسة الطائي، عن أبي خير، عن عليِّ بن أبي طالبg قال: >قال رسولُ الله e: يُمثَّل لفاطمةj رأس الحسينg متشحِّطًا بدمه فتصيح: وا ولداه! وا ثمرة فؤاداه! فتصعق الملائكة لصيحة فاطمةj .. وإنَّ فاطمةj في ذلك اليوم على ناقة من نوق الجنَّة .. يحفُّ بهودجها سبعون ألف ملك بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والثناء على ربِّ العالمين. ثم ينادي منادٍ من بطنان العرش: يا أهل القيامة غضُّوا أبصاركم فهذه فاطمة بنتُ محمدٍ رسول اللهe تمرُّ على الصراط، فتمرُّ فاطمةj وشيعتها على الصراط كالبرق الخاطف. قال النبيُّe: ويلقي أعداءها وأعداء ذريتها في جهنم<([41]).
7- ورد الشيخ الطوسي في أماليه بسند لا بأس به عن الصادقg: >إنّه إذا كان يوم القيامة أقبل رسول اللهe ومعه الحسينg ويده على رأسه يقطر دما، فيقول: يا ربّ سل أمّتي فيمَ قتلوا ولدي؟!<([42]).
والمستفاد مِن هذه النّصوص جملة من الأمور، نذكر منها:
أوّلًا: أنّ عرْض مصيبة وظلامة سيّد الشّهداءg سيكون بمحضر جميع الخلق من الأوّلين والآخرين؛ ولعلّ مِن أسرار ذلك أنّ الله a يريد بيان مقام أبي عبد الله الحسينg ومنزلته.
فالإمام الحسينg له مقام ملكوتيّ عظيم أشارت له بعض مراتبه جملة من الرّوايات، نشير إلى بعضها:
1- ما في الحديث عن النبيe: >ثمّ فتق نور الحسينg فخلق منه الجنّة والحور العين، فالجنّة والحور العين من نور ولدي الحسين، ونور ولدي الحسين من نور الله؛ فولدي الحسين أفضل من الجنّة والحور العين<([43]).
2- ما ورد عن النّبيّ الأعظمe: >الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة<([44]).
3- ما في الحديث النبويّ: >وبالحسين تسعدون، وبه تشبثون، ألا وإنّ الحسين باب من أبواب الجنة، من عانده حرّم الله عليه ريح الجنة<([45]).
ثانيًا: أنّ النبيّ الأعظمe سيكون ممّن يُطالِب بدم ولده الحسينg، مما يعني عِظم هذه المصيبة على قلب أشرف الخلق.
ثالثًا: أنّ المطالِب بدمه في عرْصة يوم القيامة أيضًا هي أمّه الطّاهرة المطهّرة سيّدتنا فاطمةj، ولعلّ من أسرار ذلك:
أ- أنّ المولى -جلّ وعلا- يريد أن يبيّن لجميع الخلائق مقام مولاتنا الصدّيقة الطاهرةj؛ فهي النّفحة القدسيّة التي يرضى لرضاها، ويغضب لغضبها، بل هي أشرف الكائنات بعد النبيّe وأمير المؤمنينg.
وهذا المعنى له عدّة قرائن في النّصوص السابقة:
منها: ما ورد في كيفيّة ورود مولاتنا الصديقة الطّاهرة إلى ساحة المحشر: >غضُّوا أبصاركم ونكِّسوا رؤوسكم حتى تجوز فاطمة ابنة محمدe الصّراط. قال: فتغضّ الخلائق أبصارهم فتأتيj على نجيبٍ من نُجبِ الجنة يُشيُّعها سبعون ألف ملك، فتقفُ موقفًا شريفًا من مواقف القيامة<([46]).
ومنها: >فيحكم لابنتي وربِّ الكعبة، وإنَّ الله a يغضبُ لغضب فاطمة ويرضى لرضاها<([47]).
ومنها: >يا ربِّ خذْ لي اليوم حقِّي ممَّن ظلمني، فيغضب عند ذلك الجليل، وتغضبُ لغضبه جهنَّم والملائكة أجمعون<.
ب- أنّ الله c ادّخر لحبيبته فاطمةj تعزيةً خاصّة في يوم القيامة، ولهذا يُريها أوّلًا ما جرى على ولدها، ثمّ يعزّيها، وتعزية الله -جلّ شأنه- بأن لا ينظر في محاسبة العباد حتّى تدخل سيّد النّساءj وذريّتها وشيعتها الجنّة: >إنِّي ادَّخرتُ لكِ عندي تعزيةً بمصيبتك فيه، وإنِّي جعلتُ تعزيتك اليوم أني لا أنظر في محاسبة العباد حتى تدخلي أنت وذريتك وشيعتك<.
رابعًا: أنّ اللهa سيقرّ عين سيّدة نساء العالمينj بإلقاء قتلة الإمام الحسينg وظالميه في النّار، وبئس المصير.
النقطة الثالثة: عذاب قتلة الإمام الحسينg في القيامة
توجد جملة من الروايات والنّصوص التي تدلّ على شديد العذاب الذي يُلاقيه قتلة الإمام الحسينg، وقد عقد العلامة المجلسيّS في البحار باباً تحت عنوان: (باب ٣٦: كفرُ قتلته عليه السلام وثوابُ اللعن عليهم وشدةُ عذابهم وما ينبغي أن يقال عند ذكره صلوات الله عليه)([48]).
وهنا نقف على جملة من هذه النّصوص مِن كتاب البحار وغيره:
1- عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِiقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِe: >إِنَّ قَاتِلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فِي تَابُوتٍ مِنْ نَارٍ عَلَيْهِ نِصْفُ عَذَابِ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَقَدْ شُدَّ يَدَاهُ وَرِجْلاَهُ بِسَلاَسِلَ مِنْ نَارٍ، مُنَكَّسٌ فِي اَلنَّارِ حَتَّى يَقَعَ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ، وَلَهُ رِيحٌ يَتَعَوَّذُ أَهْلُ اَلنَّارِ إِلَى رَبِّهِمْ مِنْ شِدَّةِ نَتْنِهِ، وَهُوَ فِيهَا خَالِدٌ ذَائِقُ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ مَعَ جَمِيعِ مَنْ شَايَعَ عَلَى قَتْلِهِ - كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلَ اللَّهُ a عَلَيْهِمُ الْجُلُودَ غَيْرَهَا حَتَّى يَذُوقُوا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، لاٰ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ سَاعَةً وَيُسْقَوْنَ مِنْ حَمِيمِ جَهَنَّمَ، فَالْوَيْلُ لَهُمْ مِنْ عَذَابِ اَلنَّارِ<([49]).
2- عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ g قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: >إِنَّ فِي اَلنَّارِ مَنْزِلَةً لَمْ يَكُنْ يَسْتَحِقُّهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا< h([50]).
3- ورد عن النبيe في حديث: >ويلقي أعداءها وأعداء ذريتها في جهنم<([51]).
4- وفي "تفسير فرات" عن سليمان بن محمد معنعنا عن ابن عباس عن الأميرg: >دخل رسول اللهe ذات يوم على فاطمةj وهي حزينة فقال لها: ما حزنك يا بنيّة؟ قالت: يا أبه ذكرت المحشر ووقوف الناس عراة يوم القيامة. قال: يا بنيّة إنه ليوم عظيم، ولكن قد أخبرني جبرئيل عن الله a أنه قال: أول من تنشقّ عنه الأرض يوم القيامة أنا، ثم أبي إبراهيم، ثم بعلك علي بن أبي طالبg، ثم يبعث الله إليك جبرئيل في سبعين ألف ملك، فيضرب على قبرك سبع قباب من نور..<، [ثم يصف حالاً عجيباً لكرامة الزهراءj، تقدمت صور منه في الروايات السابقة، وتزيد عليها هذه الرواية ما يليق بشأنهاj، إلى أن يقولe:] >ثم ينصب لك منبر من النور فيه سبع مراقي بين المرقاة إلى المرقاة صفوف الملائكة، بأيديهم ألوية النور، ويصطفّ الحور العين عن يمين المنبر وعن يساره..، فإذا صرت في أعلى المنبر أتاك جبرئيلg فيقول لك: يا فاطمة سلي حاجتك، فتقولين: يا رب أرني الحسن والحسين فيأتيانك وأوداج الحسين تشخب دمًا، وهو يقول: يا ربّ خذ لي اليوم حقّي ممن ظلمني. فيغضب عند ذلك الجليل، ويغضب لغضبه جهنم والملائكة أجمعون، فتزفر جهنم عند ذلك زفرة ثم يخرج فوج من النار ويلتقط قتلة الحسين وأبناءهم وأبناء أبنائهم ويقولون: يا ربّ إنا لم نحضر الحسين، فيقول الله لزبانية جهنم: خذوهم بسيماهم بزرقة الأعين وسواد الوجوه، خذوا بنواصيهم فألقوهم في الدرك الأسفل من النار، فإنّهم كانوا أشدّ على أولياء الحسين من آبائهم الذين حاربوا الحسين فقتلوه<([52]).
5- قالe: >إذا كان يوم القيامة نُصِب لفاطمةj قبة من نور وأقبل الحسينg رأسه على يده، فإذا رأته شهقت شهقة لا يبقى في الجمع ملك مقرّب ولا نبي مرسل ولا عبد مؤمن إلا بكى لها، فيمثل الله عزّ وجلّ رجلاً لها في أحسن صورة وهو يخاصم قتلته بلا رأس، فيجمع الله قتلته والمجهزين عليه ومن شرك في قتله، فيقتلهم حتى أتى على آخرهم، ثم ينشرون فيقتلهم أمير المؤمنينg، ثم ينشرون فيقتلهم الحسنg، ثم ينشرون فيقتلهم الحسينg، ثم ينشرون فلا يبقى من ذرّيتنا أحد إلا قتلهم قتلة، فعند ذلك يكشف الله الغيظ وينسى الحزن. ثم قال أبو عبد اللهg رحم الله شيعتنا، شيعتنا والله المؤمنون، فقد والله شركونا في المصيبة بطول الحزن والحسرة<([53]).
والحمدُ للهِ أوّلاً وآخِراً، وصلّى الله على محمد وآله الشّرفا.
تمّت مراجعتُها وإعادة النّظر فيها ليلةَ السّادس والعشرين من شهر ربيع الأوّل مِن سنة (1445 هـ)، وذلك في قم المقدّسة بجوار الحرم الطّاهر لمولاتنا وسيّدتنا فاطمة المعصومةj.
([1]) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج ٤٣، ص ٢٦٣. مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، ج3، ص3 نشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421هـ - 2001م.
([2]) الكتاني، نظم المتناثر، ص196.
([3]) الألباني، السلسلة الصحيحة، ج6، ص486.
([4]) ابن طاووس، مصباح الزّائر، ج1، ص245.
([5]) المصدر السابق، ص286.
([6]) الشيخ المشهدي، المزار الكبير، ج1، ص480.
([7]) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج23، ص337.
([8]) لاحظ: السّبحاني، مفاهيم القرآن، ج8، ص30.
([9]) سورة يونس: 4.
([10]) سورة القلم: 35-36.
([11]) لاحظ: السبحاني، مفاهيم القرآن، ج8، ص30.
([12]) سورة يونس: 26-27.
([13]) سورة الزمر: 20.
([14]) سورة الشورى: 25.
([15]) الخوئيّ، أبو القاسم، موسوعة السيّد الخوئيّ، ج3، ص54.
([16]) سورة النجم: 39-41.
([17]) لاحظ: مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج 17، ص 261.
([18]) آل عمران: 30.
([19]) نهج البلاغة، الخطبة 221.
([20]) الصدوق، محمد، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 2، ص 47، ح 178.
([21]) البحراني، عبد الله، عوالم العلوم، ج11، ص1160.
([22]) الأنبياء: 103.
([23]) النمل: 89.
([24]) الحاكم في المستدرك، ج2، ص386.
([25]) الفرقان: 30.
([26]) الخوارزمي، المقتل، ج1، ص104.
([27]) تذكرة الخواصّ، ص252.
([28]) الحليّ، ابن نما، ذوب النضّار، ص118-120.
([29]) العياشيّ، تفسير العياشي، ج2، ص282.
([30]) ابن قولويه، كامل الزيارات، ج1، ص65.
([31]) غافر: 45-46.
([32]) الصدوق، الخصال، ج1، ص119.
([33]) المجلسي، بحار الأنوار، ج65، ص10.
([34]) البرقي، المحاسن، ج1، ص178.
([35]) البقرة: 281.
([36]) المفيد، الأمالي، ص130.
([37]) الصدوق، ج2، ص29.
([38]) المجلسي، بحار الأنوار، ج8، ص58.
([39]) المصدر السابق، ج65، ص59.
([40]) الصدوق، ثواب الأعمال، ص217.
([41]) المجلسي، بحار الأنوار، ج43، ص223.
([42]) الشيخ الطوسي، الأمالي، ص162.
([43]) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج37، ص83.
([44]) الحِميري، قرب الإسناد، ص111.
([45]) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج35، ص405.
([46]) الشيخ المفيد، الأمالي، ص130.
([47]) الصدوق، عيون أخبار الرضاg، ج2، ص26.
([48]) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج44، ص۲۹۹، دار إحياء التراث العربي.
([49]) المجلسي، بحار الأنوار، ج44، ص300.
([50]) المصدر السابق، ص103.
([51]) المصدر السابق، ص223.
([52]) المصدر السابق، ج8، ص172.
([53]) المجلسي، بحار الأنوار، ج43، ص221.

0 التعليق
ارسال التعليق