الملخّص:
يتعرّض الكاتب في هذا المقال إلى شعار موسم عاشوراء البحرين عام 1446هـ، وهذا الشعار قد استلّ من المقطع الوارد في الزيارة الجامعة >فمعكم معكم لا مع غيركم<، فتناول الكاتب أبعاد هذا الشعار، وكيف يمكن للإنسان المؤمن أن يكون مع الحسين أبداً، فبيّن أولاً درجات المعيّة مع الإمام الحسينg وقيمة كلّ درجة، ثم تحدّث عن الشروط التي ينبغي أن تكون في الإنسان المؤمن لكي يصدق عليه عنوان أنه (مع الحسين أبداً) حقيقةً وواقعاً، ثم اختتم المقال ببيان كيفية أن يكون الإنسان مع الإمام الحسينg دائماً في كلّ مكان وزمان، ولا تكون في زمان ومكان محدّدين([1]).
المقدّمة:
انطلاقاً ممّا ورد في الزّيارة الجامعة >معكم معكم لا مع غيركم< فإنّا نقول بأنّه لا يوجد أحدٌ منّا إلا ويريد أن يكون مع المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهذه غاية المنى أن نكون في محضر القدس بحانب رسول الله وأمير المؤمنين والأئمة المعصومينi.
ولا يرغب واحدٌ منّا أن يكون بعيداً عنهم ويصعب علينا فراقهم؛ لأنّا ذائبون فيهم، وذائبون في الولاء إليهم، فهذا هدف عالٍ ننشده وهو أنّ نكون مع أهل البيتi في الدنيا وفي تلك الجنّة التي فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر.
فإذا ما أراد أحدنا أن يكون مكيناً عند الله تعالى فليس له إلا أن يكون مع أهل البيتi ويلتصق بهم ويتمسّك بحبلهم، ويأخذ من نهجهم، وينهل من علومهم، ويتّبع آثارهم وخطواتهم ويسير عليها؛ لأنّها هي الخطوات الوحيدة التي تضمن لك الوصول إلى مرضاة الله تعالى، ولذا نجد التأكيد في الرواية بتكرار كلمة (معكم) في عقد الإيجاب، ولزيادة التأكيد جاء في عقد السلب التأكيد أن لا يكون مع غيرهم.
وأيّ انحراف عن أهل البيتi هو انحراف عن طريق النّجاة، وعن طريق السعادة الأبدية التي يريدها الله تعالى للإنسان.
ولأهمية هذا الموضوع نوقع الكلام في عدّة نقاط:
النقطة الأولى: صور المعيّة الحسينية
إنّ المعيّة التي لا بدّ من أن تكون مع الحسينg يمكن أن نتصوّرها بعدّة صور:
الصورة الأولى: معيّة الانتماء الجسدي
وهي معيّة لا تتجاوز البدن، وهذا ما يحصل بالحضور البدني في المكان الذي يكون فيه الحسينg، وهذا الاجتماع حسنٌ وله قيمته ولكن بشرطها وشروطها؛ بأن تكون هذه المعيّة ممزوجة بانتماء خالص إليهمi، فإذا خلت هذه المعية الجسدية عن ذلك -حتى لو كنتُ ملتصقاً جسدياً مع الحسينg ونظري إلى نظره وزاحمته بركبتي فمع خلوّه عن الانتماء- فإنّ هذا الوجود لا قيمة له! ألم يكن هناك أناس قد التصقوا برسول اللهe ومع ذلك فقد شبّههم القرآن بالخشُب المسنّدة!
إذاً الالتصاق البدني هو التصاق أجوف ما لم يتضمّن الانتماء الواقعي إلى المعصومg. وثمّت من كان مع الرسولe يحوطه ويتردّد عليه ويسمّيه أُذُن. وثمّت من يتعمّد إدخال الأذى على قلب الرسولe.
الصورة الثانية: معيّة الانتماء الحقيقي
وهي معيّة لا تعرف الزّمان والمكان، وتبقى مستمرّة حتى قيام الساعة، وهذا ممكن تحقيقه من الجميع إذا ما حقّق مقدّماتها وشروطها. ولذا فإنّ قول: >معكم معكم لا مع غيركم< هو ليس تعبيراً يبيّن مقداراً من الانتماء على مستوى الهويّة فقط، بل ينبغي أن يكون انتماءً حقيقياً واقعياً مع المعصومg.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنّه توجد معيّة متبادلة معهمi، فكلّما كنت معهم كانوا معي، وأنّ هذه المعيّة مع المعصومين لا تنفكّ عن المعيّة مع الله تعالى. انظر إلى قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(لحديد: 4)، {ألَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(المجادلة:7)، وهذه المعيّة الإلهية متحقّقة دائماً وأبداً، فمن كان مع الله، كان الله معه. وهكذا مع المعصومينi.
الصورة الثالثة: معيّة الله إلى بعض عباده
وهناك معيّة خاصّة من الله تعالى إلى بعض الأفراد الذين اكتسبوا بعض اللياقات الخاصّة التي أهّلتهم إلى ذلك؛ كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}(النحل:128)، فالتقوى والإحسان صفتان أهّلتهم ليكونوا مع الله تعالى فيكون الله معهم.
وكذا قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}(البقرة:153)، لمن اتصف بالصبر حقيقة. وغيرها من العناوين الأخرى التي ذكرتها الآيات المباركة التي تؤهّل الإنسان لأن تكون له علاقة خاصّة مع الله تعالى.
الصورة الرابعة: معيّة المعصومين إلى المؤمنين
معيّة الرسول والأئمة الطاهرين إلى البشر، وهذه لها نماذج كثيرة تدلّ على أنّ المعصوم حاضر مع المؤمن، فإذا قلنا بأنّ المعصوم معك فهذا يعني أنّه يشاهدك فيما تفعل، ويعلم بما تقول، بل هو مطّلع على ما في قلبك -بإطلاع الله له على ذلك- وهذه المعيّة الخاصّة عليها شواهد كثيرة جدّاً، وكنموذج منها أذكر هذه الرّواية: فعن الإمام علي بن موسى الرضاg قال لمن سأله أن يدعو له: >أولست افعل؟ والله إنّ أعمالكم لتُعرض عليّ في كلّ يوم وليلة<([2]). فالإمام مطّلع على أعمالنا، وهو معنا أيضاً. إذن المعيّة متبادلة.
النقطة الثانية: كيف تكون المعية مع الحسينg معيّة صادقة؟
المعيّة تكون بالبدن -وقد تقدّم الحديث عنها-، وهنا معيّة أخرى أرقى هي على مستوى الرّوح، ومعيّة ثالثة وهي على مستوى الموقف. وهذه تشكّل مراتب أدونها المعيّة البدنية وأعلاها المعيّة التي تجتمع فيها العناوين الثلاثة (معيّة البدن، الرّوح، الموقف) ومن توفّرت فيه هذه المعيّات الثلاث فهو خالدٌ في الجنّة معهم في أعلى علّيين بلا شكّ ولا ريب، وهذا ما تَمثّل في أصحاب الحسينg حيث كانوا ملتصقين بدنيّاً بحضورهم مع الحسينg أينما حلّ وارتحل، وكانت أرواحهم معلّقة بالحسين صلوات الله عليه، وكانت مواقفهم مواقف صلبة ومشرّفة إذ لم يتزلزلوا في أصعب الظروف.
وفي زماننا هذا نرجو من الله تعالى أن يُكحّل نواظرنا بالإمام الحجّة لنكون من أنصاره وأعوانه ونكون معه بالموقف فضلاً عن الرّوح والبدن. ولكن مع غيابه فإنّ تحقيق هذا الانتماء مطلوب، فنحن نقول: >معكم معكم لا مع غيركم< ونقول: >ياليتنا كنّا معكم<([3]) والتأهيل على مستوى الرّوح والموقف ليس مقتصراً على ظهور الإمامg، فإنّه لا بدّ من أن أكون هذا اليوم وفي كلّ يوم مع الحسينg بروحي وموقفي. وهذا الانتماء مع الحسين يُحقّق أن أكون واحداً من أنصارهg.
إذاً، من يريد أن يكون واحداً من أصحاب الحسينg فلا بدّ من أن يعرف ما هو المطلوب منه؛ إذ لا يكفي في الانتماء أن أتلفّظ باسمه أو ألبس السواد -وإن كان هذا مهمّاً بلا شكّ ولا ريب إلا أنّه ليس كافياً- بل المطلوب هو الانتماء الحقيقي المؤهِّل لأن نكون مع الإمام الحجّة عند ظهوره، فإنّه إذا ظهر أراد أنصاراً خُلّص، ناصعين، مخلصين، مجدّين في عملهم، صادقين في أقوالهم وأفعالهم، لينتخبهم أنصاراً إليه، ومن لم يُنتخب فهو لا محالة سيكون في الطرف المقابل الذي هو ضلال في قبال الهداية.
ولذا لا بدّ من أن أعرف ما هو المطلوب منّي فعله لكي أكون مع الحسينg، فأصحاب الحسينg قد أدّوا وظيفتهم ولم يقصّروا فيها فخلّدهم التاريخ، بل خلّدهم المعصومونi فلا يمكنك أن تزور الحسينg من دون زيارة أصحابه -وهذا أحد أسرار دفنهم بجوار الحسينg-، وذُكَرت أسماءهم في بعض الزّيارات والرّوايات؛ لأنهّم قد عرفوا وظائفهم التي هي مطلوبة منهم فقاموا بأدائها على أحسن وجه.
فإذا أردنا أن نرتقي على المستوى المعرفي، والمستوى المعنوي، فليكن عاشوراء منطلقاً إلينا في هذا الارتقاء؛ حيث نعيش الحسينg في كلّ واقعنا وحاضرنا.
وقد وضع الأئمة من أهل البيتi الأساليب الكثيرة التي حضَّضوا عليها كي نعيش الحسين في كلّ لحظة؛ فكلّما شربت الماء استحبّ لك ذكر الحسين بالسلام عليه، وهذا ليس لهجاً باللسان فحسب، بل هو استذكار إلى عطشه -صلوات الله وسلامه عليه- وما جرى عليه، وإذا شربت ماءً فلا أتملّى منه حبّاً في الحسينg، وكذا لا أتملّى من الطعام حبّاً في الحسينg وهذه رتبة من رتب الارتباط مع الحسينg.
نحن نقرأ في الزيارة: >إن لم يجبك بدني فقد أجابك قلبي وشعري وبشري ورأيي وهواي<([4])، وهذه الإجابة ليس منحصرة في موسم إحياء ذكر الحسينg وهي عشرة المحرّم، بل في كلّ يوم من أيام سنتي.
ولك أن تسأل: كيف تتحقّق هذه الإجابة؟
أقول باختصار: هو أن أتخلّى عمّا لا يريده الحسينg.
وهذه نقطة مهمة، فأترك المعصية صغيرها وكبيرها حبّاً بالحسينg. ولذا نقول بأنّ مجرّد لبس السواد ليس كافياً لإثبات المعيّة، إذ لا قيمة لهذا اللبس مع ارتكاب الذنوب والمعاصي والتي منها الاستهزاء بالمؤمنين، أو إيجاد الفرقة بينهم، أو ترك حضور مجالس الحسينg، أو لا يكون عندي اهتمام بالتزوّد من معارف أهل البيت لتطبيقها.
لو قارنت نفسي مع أصحاب الحسينg فماذا قدّموا وماذا أقدّم؟! فأصحاب الحسينg كانوا مع الحسين بأرواحهم وأبدانهم، وبذلوا أغلى ما يملكون.
فكم أُعطي الحسينg من نفسي وروحي، فإنّ الحسين يريد صلاح الإنسان >إنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمّة جدّي<، فإذا لم أنصلح ولا أريد أن أُصلِح نفسي ولا أريد إصلاح الآخرين فأنا في الواقع أكون مستخفّاً بدماء الحسينg وأصحابه، وأضيّع تلك الدّماء الزّاكية والأرواح المختلسة.
فإذا ما أردت أن أكون مع الحسينg فلا بدّ من أن أنصر الحسينg عند كلّ أذان بالتوجّه إلى الله تعالى بإقامة صلاة خاشعة إلى الله تعالى، فإنّ إمامنا زين العابدينg يقول: >إذا رفع الأذان تعرف من المنتصر<. فالتمسّك بالطاعات والعبادات لهي نصرة عظيمة إلى الإمام الحسينg، >أشهد أنّك قد أقمت الصلاة<، وإقامتها في موقعها وإيجاد آثارها كي تكون صلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، ولا تتحقّق النصرة ما لم أكن مستشعراً أنّي مع الحسينg.
إن أردت أن أكون مع الحسينg فعليّ في كلّ موضع أن أضع الدِّين أمام ناظريّ، فإنّ الدِّين محور الحياة، فإن جعلته كذلك كنتُ مع الحسينg.
إن أردت أن أكون مع الحسينg فعليّ أن أكون متّبِعاً للحسينg وجميع أهل البيتi، ومتّبِعاً إلى العلماء العاملين الأعلام الأتقياء الأنقياء، الذين نصّبهم أئمّتنا صلوات الله عليهم أجمعين في الرجوع إليهم في شؤون الدِّين وما يرتبط به دون غيرهم.
إن أردت أن أكون مع الحسينg فلا بدّ من أن أبحث عن المعروف وأنصره، فهو واحد من الشعارات التي أطلقها الإمام الحسينg الذي خرج من أجله >أريد أن آمر بالمعروف أنهى عن المنكر<([5])، فإنْ جعلتُ المعروف عزيزاً والمنكر غريباً ذليلاً كنت ناصراً إلى الحسينg ومعه.
النقطة الثالثة: شروط المعيّة
ذكر الإمام الحسينg في خطبه شروطاً لمن أراد تحقيق المعيّة الصادقة، منها هذان الشرطان:
الشرط الأول: البذل وتوطين النفس
فقالg: >من كان باذلاً فينا مهجته، موطّناً على لقاء الله نفسه<([6])، فهل أنا باذل إلى الحسينg نفسي وموطّن على لقاء الله نفسي؟ هذا اختبار يظهر عند كلّ صلاة -كما ذكرنا- أطيع الله وألتزم بها في وقتها أم لا؟! أطيع الله عند كلّ موضع توجد فيه ظروف للمعصية.
عندما خرج مع الحسينg من مكّة كانت الأعداد كبيرة جدّاً، وكلّما نزل الحسينg منزلاً كانت هناك أنفُس تلتحق به، إلى أن وصل إلى زورد وجاء خبر استشهاد مسلم ابن عقيل بدأت تلك الجموع بالتفرّق، لأنّها لم يكن عندها أكثر من المعيّة الجسديّة. وخلوّهم من المعيّة الرّوحية أفقدتهم الصلة بالموقف معه بعدما تيقّنوا أنّ من يرافق الحسينg مآله إلى الشهادة.
ولذا فإنّ خُلّص أصحاب الحسينg ما بلغوا مرتبتهم التي هم فيها إلا لامتلاكهم على لياقات خاصّة وإعداد قبل خروجهم مع الحسينg، ولم ينتظروا خروجه ليبدأوا في الإعداد، فكان انتماؤهم مع الحسينg قبل الالتحاق به واستمرّ التزوّد في طول الطريق.
الشرط الثاني: الثبات
فكيف أثبتُ على هذه المعية مع الحسينg حتى آخر نفس، ولا أكون كالذين تخلّوا عنه في آخر الساعات ليخسروا السّعادة الأبدية فضلاً عمّن ابتعد عنهg في منتصف الطريق؟
الآن يوجد عند المؤمنين قدرٌ من الانتماء إلا أنّ هذا الانتماء بحاجة إلى تنمية ومضاعفة مع الحفاظ عليه حتى إذا ما خرج الإمام الحجّةl نكون على استعداد تامّ لنصرته والسير في ركابه كأصحاب الحسينg الذين بقوا معه حتى عروج الرّوح.
ومن هنا يتعيّن علينا أن نؤهِّل أنفسنا تأهيلاً في أعلى مستوياته، ولا بدّ من استثمار العمر في هذا التأهيل، فإنّ الأيام تنقضي وتتصرّم سواء أهّلت نفسي أم تركتها في سباتها، فالنتيجة الصادمة تظهر عند ظهور الإمام الحجّةl، حينما ينكشف أنّي لستُ على قدرٍ كافٍ من التأهيل لهذه النصرة.
النقطة الرابعة: كيفية تأهيل النفس للكون مع الحسينg
يمكن أن نذكر خمسة من الأمور التي تؤهِّل الإنسان ليكون مع الحسينg:
الأمر الأول: الاتباع
فلا بدّ من الاتّباع لهم، والأخذ عنهم لا عن غيرهم، وأنّ الله وأهل البيتi هم المحور الذي أبدأ منه وأنتهي إليه. وهذا ما يستفاد من >وقلبي لقلبكم سلم وأمري لأمركم متّبع<([7]).
الأمر الثاني: جعلهم قدوات
بأن أجعل المعصومينi هم القدوات في كلّ حياتنا وكلّ وجودنا، وأنظر إليهم على أنّهم منهجٌ واحد ونورٌ واحد، فلا أنظر إلى أحدهم فقط وأصوغ حياتي ومواقفي مستشهداً بمواقفه من دون الالتفات إلى مواقف بقية المعصومينi {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}(آل عمران: 31و32)، فعدم إطاعة اللهa والرسولe والأئمة المعصومونi وعدم الالتزام بما ثبت عنهم لهو انحراف عن جادّة الشريعة.
الأمر الثالث: استحضارهمg
بمعنى أن يكون الإنسان مستحضراً للكون في محضرهم، فهم مطّلعون على أحوالنا وضمائرنا، والروايات في هذا كثيرة جدّاً([8]) قد تقدّمت الإشارة إلى نموذج منها، وكذا قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}(التوبة:105)، والمراد بالمؤمنين هم أهل البيتi كما دلّت على ذلك الرّوايات. فلا بدّ من استحضار الحسينg -والأئمة المعصومونi- أي: أنّه لو كان معي حاضراً فهل سأتساهل فيما أتلفّظ به من ألفاظ أم أنّي سأنتخب الألفاظ -في حديثي- انتخاباً متناسباً مع الشارع المقدّس؟! وهل سأعارض الحقّ مع وضوحه أم أنصاع إليه؟! ففي الخبر: >أترون أن ليس لنا معكم أعين ناظرة، وأسماع سامعة، بئس ما رأيتم، والله لا يخفى علينا شيء من أعمالكم، فاحضرونا جميعاً وعوّدوا أنفسكم الخير، وكونوا من أهله تعرفوا فإنّي بهذا آمر ولدي وشيعتي<([9]).
الأمر الرابع: فعل الخير
بأن يكون الإنسان المؤمن من أهل فعل الخيرات، فقد ورد في الرواية: >وعوّدوا أنفسكم الخير، وكونوا من أهله تعرفوا<([10]).
الأمر الخامس: تعميق العلاقة مع الإمام الحجّةl
وهذه من الضّرورات التي لا ينبغي التساهل فيها.
الخاتمة:
وفي الختام أذكر عاقبة هذه المعيّة الصادقة المستمرّة، وقد ذكرها الإمام الحسينg في خطابه إلى حبيب بن مظاهر الأسديّ فقال: >إن كنت تروم أن تحضى على السعادة الأبدية<، وهذه العاقبة هي شيء من أطياف الحسينg حيث يتلذّذ السعيد هناك برؤيتهg ومجالسته، مع أنّهم كانوا في دار الدنيا مدّ نظرهم هي الجنّة -التي لو نزل شيء منها إلى الأرض لمات أهل الأرض كلّهم شوقاً إلى الجنّة كما في بعض الأخبار([11])- إلا أنّهم في تلك الدار لا يرون إلا وجه الحسينg ولا يعبأون بالحور العين ولا بالجنّة.
وهنا أستطرف هذه الرّواية كختامٍ لهذه الكلمات، فقد ورد: >وما من عين أحبّ إلى الله ولا عبرةٍ من عين بكت ودمعت عليه، وما من باكٍ يبكيه إلا وقد وصل فاطمةj وأسعدها عليه، ووصل رسول الله وأدّى حقّنا، وما من عبدٍ يُحشر إلا وعيناه باكية إلا الباكين على جدي الحسينg، فإنّه يحشر وعينه قريرة، والبشارة تلقاه، والسرور بيّن على وجهه، والخلق في الفزع وهم آمنون، والخلق يعرضون وهم حُدّاث الحسينg [أي: يجلسون معه ويحادثونه] تحت العرش وفي ظلّ العرش، لا يخافون سوء الحساب، يقال لهم: ادخلوا الجنة فيأبون ويختارون مجلسه وحديثه. [فلا توجد لذّة في ذلك اليوم عندهم ألذّ من النظر إلى وجه الحسينg حتى أنّهم فضّلوها على الجنّة] وأنّ الحور لترسل إليهم إنّا قد اشتقناكم مع الوِلدان المخلّدين، فما يرفعون رؤوسهم إليهم لما يرون في مجلسهم من السرور والكرامة [أي: أنّ الحوريات تناديهم وهم لا يرفعون رؤسهم؛ فلا يريدون التشاغل عن النّظر إلى وجه الحسينg بالنّظر إلى الحوريات]، وأنّ أعداءهم من بين مسحوب بناصيته إلى النار، ومن قائل: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم، وإنّهم ليرون منزلهم وما يقدرون أن يدنوا إليهم، ولا يصلون إليهم.
وأنّ الملائكة لتأتيهم بالرسالة من أزواجهم ومن خدّامهم على ما أعطوا من الكرامة، فيقولون: نأتيكم إن شاء الله، فيرجعون إلى أزواجهم بمقالاتهم، فيزدادون إليهم شوقاً إذا هم خبّروهم بما هم فيه من الكرامة وقربهم من الحسينg، فيقولون: الحمد لله الذي كفانا الفزع الأكبر وأهوال القيامة، ونجّانا ممّا كنّا نخاف، ويؤتون بالمراكب والرّحال على النّجائب، فيستوون عليها وهم في الثناء على الله والحمد لله والصلاة على محمد وآله حتى ينتهوا إلى منازلهم< ([12]).
والحمد لله ربّ العالمين.
([1]) محاضرة ألقيت في البحرين قبيل شهر المحرّم بعنوانٍ هو عين الشعار الذي أطلقه علماء البحرين لمحرّم الحرام لعام 1446هـ.
([2]) الكافي، الكليني، كتاب الحجّة، باب عرض الأعمال على النبي والأئمةq، ج1، ص219، ح4.
([3]) مستلّ من رواية الإمام الرضاg مع ابن شبيب، ومما جاء فيها، >يا بن شبيب، إن سرّك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسينg فقل متى ما ذكرته: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً<. انظر أمالي الصدوق، المجلس السابع والعشرون، ح5.
([4]) كامل الزيارات، ابن قولويه، باب79، ح17.
([5]) تسلية المجالس، السيد محمد بن أبي طالب الحائري الكركي، ج2، ص230.
([6]) المصدر نفسه
([7]) مقطع من الزيارة المعروفة بزيارة وارث.
([8]) للمزيد انظر روايات عرض الأعمال على المعصومg.
([9]) بحار الأنوار، ج46، ص244.
([10]) المصدر نفسه
([11]) منها ما ورد في البحار ج60، ص168-169 في حديث طويل منه: >فصف لي أشجار الجنة قال في الجنة شجرة يقال لها طوبى أصلها من در وأغصانها من الزبرجد وثمرها الجوهر ليس في الجنة غرفة ولا حجرة ولا موضع إلا وهي متدلية عليه قال صدقت يا محمد فهل في الدنيا لها من مثل قال نعم الشمس المشرقة تشرق على بقاع الدنيا ولا يخلو من شعاعها مكان قال صدقت يا محمد فهل في الجنة ريح قال نعم يا ابن سلام فيها ريح واحدة خلقت من نور مكتوب عليها الحياة واللذات يقال لها البهاء فإذا اشتاق أهل الجنة أن يزوروا ربهم هبت تلك الريح عليهم التي لم تخلق من حر ولا من برد بل خلقت من نور العرش تنفخ في وجوههم فتبهي وجوههم وتطيب قلوبهم ويزدادوا نورا على نورهم وتضرب أبواب الجنان وتجري الأنهار وتسبح الأشجار وتغرد الأطيار فلو أن من في السماوات والأرض قيام يسمعون ما في الجنة من سرور وطرب لمات الخلائق شوقا إلى الجنة والملائكة يدخلون عليهم فيقولون كما قال الله عز وجل في محكم كتابه العزيز {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ} الزمر:73 {سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} الرعد:26<.
([12]) كامل الزيارات، ابن قولويه، باب26 باب بكاء الملائكة على الحسينg، ح8.

0 التعليق
ارسال التعليق