فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الزمن المعاصر حوار مع سماحة الشيخ رضا إبراهيم محمدي حفظه الله

فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الزمن المعاصر  حوار مع سماحة الشيخ رضا إبراهيم محمدي حفظه الله

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نرحّب بسماحة الشيخ محمد رضا محمديB([1])، ونشكره على إتاحة الفرصة لنا لعقد هذا الحوار معه حول فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونبدأ في طرح الأسئلة.

  • السؤال الأول: ما هي موقعية فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نظام التشريع الإسلامي؟

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، إنّه خير ناصر ومعين، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين، لا سيما ولي الله الأعظم روحي وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء.

حتى تتبيّن أهمية وموقعية فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نظام التشريع الإسلامي لا بأس أن ننظر إليها من أوجه مختلفة وأبعاد متعدّدة:

الجانب الأول: مراقبة الشعب للدّولة

نستطيع أن ننظر إلى هذه الفريضة كمراقب على الدولة وعلى أفعال الناس، فالمجتمع الإسلامي يختلف عن سائر المجتمعات البشرية، فالهدف في كلّ مجتمع يختلف، وهذا الاختلاف في الهدف يجعل المجتمع مختلفاً عن غيره، فبمجرّد اختلاف الهدف نرى الاختلاف منعكساً على كلّ أركان الدولة والمجتمع، في أعمالهم، وسلوكياتهم، في تفكيرهم.

الهدف عند الإسلام هو تنظيم شؤون المجتمع، وتنظيم شؤون الناس من أجل الوصول إلى الهدف الذي خُلق الإنسان من أجله، فلماذا خُلق الإنسان؟ من أجل الوصول إلى الكمال والسعادة الأخروية، وبالتالي تكون السعادة الدنيوية مقدّمة للوصول إلى السعادة الأخروية.

هذا الهدف حتى يتحقّق يحتاج إلى قانون، يحتاج إلى حاكم، وكلّ ذلك يحتاج إلى مراقب.

الرقابة على أقسام؛ فهناك رقابة سياسية، رقابة اقتصادية، رقابة قضائية، وهناك نوع من الرقابة يسمّى بـ (الرقابة الشعبية)، وهي موجودة في بعض النُظم القانونية، ولكن في الإسلام أساس الرقابة الشعبية مستمدّ من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالشعب يستطيع أن يراقب كلّ شؤون الدولة عن طريق فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهذه الرقابة الشعبية مهمّة جدّاً، وغير محدودة، فالرقابة السياسية مثلاً محدودة في دائرة محدّدة، يعني مختصة ببعض الموارد والحالات، وكذلك الرقابة القضائية مختصّة بمن هو قاضٍ وفي سلك القضاء، أما من هو ليس بقاضٍ وليس من ضمن السلطة القضائية فلا يحقّ له أن يتدخّل في الرقابة القضائية، وأما الرقابة الشعبية المستمدّة من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي مطلقة وشاملة لكلّ الحالات، وتعمّ كلّ من له أهلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فباعتقادي أنّ أقوى رقابة على الحكومة والدولة هي الرقابة الشعبية المبنية على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا علمنا بها على أساس الإسلام فهي تكون أوفر من ناحية مادية، وأنفذ، وأسرع، وأقوم من سائر الرقابات.

المجتمع البشري والإنسان غير المعصوم يحتاج إلى الرقابة، وإلا كما يقول بعض الفلاسفة: "بأنّ القوة ملازمة للفساد"، وأساساً الفصل بين السلطات لماذا عملوا به؟ لأنّ القوة تأتي بالفساد كما يقولون، ولذا قالوا بلزوم الفصل بين السلطات حتى لا تتركّز القوة في سلطة واحدة.

إذاً، الإنسان غير المعصوم يحتاج إلى رقابة حتى لا يُفسِد، ولكن هذا المراقب إذا لم يكن معصوماً فهو يحتاج إلى مراقب أيضاً، وذاك المراقب يحتاج إلى مراقب، وهكذا يتسلسل، أو يكون الإنسان الأول هو المراقب فيستلزم الدور، وكلاهما باطل.

وبالتالي الذي يمنع هذا الفساد هو فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي الرقابة الشعبية؛ لأنها لا تختصّ بفرد واحد، بل كلّ الناس مكلّفون بالرقابة.

هذا فيما يتعلّق بالبُعد الأول، وهو دور الناس في الرقابة على أعمال الدولة.

الجانب الثاني: مراقبة الدَّولة للشَّعب

هنا نتحدّث عن دور الدولة تجاه الناس، فيمكن أن نتصوّر أنّ الدولة الإسلامية الشرعية تستفيد من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكي تراقب الشعب في امتثال الأوامر والقوانين الصحيحة.

يقولون في علم القانون بأنّ القانون يحتاج إلى ضمان التنفيذ، وضمان التنفيذ قالوا هو العقوبة، ولكن العقوبة لها عواقب، لها أضرار، فقد لا يمكن للدولة في بعض الظروف أن تأخذ بالعقوبة كنظام تنفيذ، وبالتالي تحتاج إلى أمور أخرى تضمن لها تنفيذ القانون، فهنا يمكن للدولة أن تستفيد من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كوسيلة لضمان تنفيذ القوانين عن طريق التذكير بالواجبات الدينية والحساب الأخروي، فيقولون مثلاً: "هذا القانون -كلزوم ارتداء الحجاب مثلاً- جئنا به من الدين الإسلامي، فهو واجب شرعي، فلماذا لا تلتزمون به؟"، فهنا ضمان التنفيذ يمكن أن يكون دنيوياً وأخروياً.

فيمكن للدولة أن تصل إلى الهدف المطلوب عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل أسرع وأوفر من ناحية مادية، وهذا الأمر من مختصّات المجتمع الإسلامي. 

نعم، هذا لمن يلتزم بالشريعة الإسلامية، وأما من لا يلتزم بها أو لا يلتزم بدينٍ مثلاً فهنا يأتي عليه ضمان التنفيذ القانوني الجزائي.

الجانب  الثالث: مراقبة الشَّعب للشَّعب 

فكلّ فرد من أفراد الشعب يراقب الآخر، فيكون المجتمع الإسلامي كأسرة واحدة، فالأخ يأمر أخاه، والأخت تأمر أختها، والأب يأمر ابنه، وهكذا، فهذه رقابة شعبية على الشعب، يعني من الشعب إلى الشعب، لكي لا يخالفوا القوانين الإسلامية، وهذا من شأنه أن يوجب امتثال الشعب للقوانين الإسلامية والوصول إلى الهدف بشكل أسرع وأقوى وأوفر من ناحية مادية.

إذاً، هذه جوانب يمكن من خلالها أن تتّضح لنا أهمية وموقعية هذه الفريضة في نظام التشريع الإسلاميّ.

  • السؤال الثاني: أحسنتم سماحة الشيخ، من الشبهات التي تطرح حول هذه الفريضة شبهة تعارض فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع حقّ الحرية الشخصية الذي كفله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فبدايةً شيخنا حبّذا لو توضّحون الرأي الإسلامي تجاه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ثم الجواب عن هذه الشبهة.

أما الرأي الإسلامي تجاه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فيمكن أن نقول: بأنّ أصل حقوق الإنسان موجودة في الإسلام، بل في الإسلام يوجد ما هو أفضل، وأرقى، ويتناول أبعاداً أكثر، وأما هذا الإعلان فيوجد في بعض موادّه ما يتعارض مع الرأي الإسلامي. 

كما أنّ مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإسلامي تختلف عن مبادئ الإسلام، هدفه يختلف عن هدف الإسلام، فإذا نظرنا إلى كلّ ذلك نستطيع أن نقول بأنّ الاختلاف بينهما كبير جدّاً، وأما إذا نظرنا إلى هذا الإعلان بنظرة متسامحة فيمكن القول بأنّ أصل هذه الحقوق المذكورة فيه موجود في الإسلام، ولكن مع اختلاف في الجزئيات والمبادئ والأهداف.

وأما حقّ الحرية الشخصية والقول بأنه يتعارض مع فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنسأل: هل حقّ الحرية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو حقّ مطلق؟ 

كلا؛ إذ في المادة التاسعة والعشرين، في البند الثاني يقولون بأنّ كلّ الحقوق المذكورة في هذا الإعلان مطلقة إلا إذا تمّ تقييدها بقانون ديمقراطي في بلد ديمقراطي. إذاً، هم يعترفون بأنّ الحرية ليست مطلقة، غاية الأمر أنهم لا يذكرون القيود لها، ويوكلون الأمر لكلّ بلد ديمقراطي.

أساساً لا أحد يقول بالحرية المطلقة؛ لأنه خلاف العقل والعقلاء، فإذا كانت لك الحرية المطلقة فأنا أيضاً لي الحرية المطلقة، فأستطيع أن أفعل كلّ شيء، من القتل، والحرق، والنهب، والسلب!! وهذا لا يقول به أحد، فلا أقل يقولون بأنّ الحدّ الأدنى لتقييد الحرية هو عدم الإضرار بالآخرين.

إذاً، الحرية الشخصية تحتاج إلى تقييد، وهذه القيود كثيرة، ولكن نحن نريد أن نركّز على محلّ كلامنا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا لو تكلّمنا عن كلّ القيود لطال بنا المقام.

فنقول: الشؤون الحياتية على أنحاء؛ بعضها شؤون فردية، وبعضها شؤون اجتماعية، وبعضها شؤون فردية واجتماعية معاً.

أما في الشؤون الاجتماعية، فإنّ كلّ المدارس القانونية تعترف بأنّ القانون له أن يتدخّل في الشؤون الاجتماعية، فهذا لا كلام فيه.

وأما في الشؤون الفردية والاجتماعية معاً، فأيضاً القانون يمكنه أن يتدخّل فيها ولكن من ناحيتها الاجتماعية.

وأما في الشؤون الفردية، فيمكن أن نقول بأنّ القانون لا يمكنه أن يتدخّل فيها.

من هنا قد تسأل: إذا ترك الإنسان الصلاة مثلاً، فلماذا أيضاً يجب نهيه عن المنكر في الإسلام والحال أنه من الشؤون الفردية؟

نقول: هذا -وكذا سائر التكاليف الشرعية- له بُعدٌ اجتماعي، فالذي يترك الواجب، وعلِمَ الناسُ بأنّ فلاناً يترك الواجب، فإنّ هذا يؤثّر على المجتمع، ويؤثّر على البيئة الاجتماعية الدينية، ويؤدّي إلى تهاون الناس، وبالتالي لا يتحقّق الهدف الإلهي المرسوم للناس، فلم يعد الأمر فردياً حينئذٍ.

المحاور: يعني شيخنا لو ارتكب الإنسان أمراً محرّماً وهو في منزله بحيث لا يطلّع عليه الناس، فهل يجب علينا أن ننهاه عن المنكر؟

الشيخ: إذا ارتكب المحرّم في منزله فهل علمنا بأنه ارتكب المنكر أو لا؟ فإذا لم نعلم بذلك فطبيعي لا يجب النهي.

المحاور: لنفرض أنّني الوحيد الذي علمت بذلك.

الشيخ: إذاً خرجت المسألة عن كونها فردية، فبمجرّد أن تشمل الدائرة فردين من أفراد المجتمع صار الأمر اجتماعياً، فالعلاقة الاجتماعية تبدأ من فردين وصاعداً، كالعلاقة الزوجية مثلاً، فهي علاقة اجتماعية مع أنها متكوّنة من فردين فقط.

هذا فيما يتعلّق بهذا السؤال.

  • السؤال الثالث: شيخنا العزيز، في بعض الأحيان يكون النهي عن فعلٍ ومنكرٍ معيّن قد يؤدّي إلى حصول ردّات فعل عنيفة من قبل بعض فئات المجتمع، خصوصاً إذا اعتاد الناس على ارتكابه، كمسألة عدم التقّيد بالحجاب الشرعي مثلاً، أو مسالة التبرّج مثلاً، أو الاختلاط المحرّم مثلاً، فالبعض قد ينكفئ ولا يقوم بوظيفته من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفاً من ردّات الفعل العنيفة من قبل المجتمع، فهل هذا يبرّر الانكفاء وعدم العمل بالوظيفة؟ وما هي الطريقة الأفضل للتعامل مع مثل هذه الحالات؟

النهي عن المنكر والأمر بالمعروف ما معناه؟ هل الأمر يعني نفس ما يذكرونه في علم أصول الفقه وأنه طلب الفعل أو طلب ترك الفعل، وأنه لا بدّ أن يكون بجملة إنشائية، وأن يكون من العالي إلى الداني كأوامر الشرطة مثلاً، وكأوامر القائد إلى الجنود؟ هل هذا هو المراد أو أنّ هذا هو أحد مصاديقه؟ 

نقول: المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -كما يقول الفقهاء- هو الطلب بأيّ نحوٍ كان، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له مراتب، فقد يتحقّق بترك مجلس الحضور مثلاً، فهنا لا يوجد قول وطلب أصلاً، وقد يتحقّق بالقول الليّن كما فعل الأنبياءi مع أمّتهم، ففي البداية لم يبدأوا بالمراتب الأخيرة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل بالقول الليّن، وبالتي هي أحسن. 

وفي الحقيقة هذا هو الاشتباه الذي يحصل عندنا وعند عموم الناس، فإنهم يبدؤون بالمراتب المتأخّرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالتالي لا يتحقّق الغرض.

إذاً، لكلّ فردٍ، لكلّ مكانٍ، لكلّ زمانٍ، ظروفٌ مختلفة، فلا بدّ أن نعرف من أيّ مرتبة نبدأ، لابدّ أن نعرف من هو هذا الشخص الذي أريد أن أنهاه، أعرف نفسيتَه، أعرف في أيّ حالة هو الآن، أعرف ظروفه؛ حتى أستطيع انتخاب المرتبة الصحيحة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعادةً إذا كان النهي عن المنكر مراعى فيه هذه الأمور فإنّ الطرف المقابل يتقبّل النصيحة، أو لا أقلّ أنه لا ينفعل ولا يُحدث ردّة فعل عنيفة.

المحاور: هذا إذا كان على المستوى الفردي، ولكن ماذا لو أردت نقد ظاهرة اجتماعية معيّنة كمبلّغ، فهنا ردّات الفعل المجتمعية تكون أقوى بطبيعة الحال.

الشيخ: لا يفرق الأمر من هذه الجهة، فسواء على المستوى الفردي أم على المستوى الاجتماعي، كلاهما لا بدّ أن يراعى فيهما الظروف الموضوعية، وبالتالي ننتخب الكلمات المناسبة، والأسلوب المناسب، ونستفيد في ذلك من الآيات والروايات والرأي الإسلامي الصحيح، حتى يكون الكلام مؤثّراً.

فمثلاً وجدنا بعض النساء المتديّنات يمارسون هذه الفريضة بأسلوب جميل وراقٍ، فتجدهم مثلاً يقدّمون الورود للنساء المتبرّجات مع هدية عبارة حجاب مثلاً، أو قطعة قماش من الحرم الرضوي مثلاً، فلم نجد أنّ أولئك النساء المتبرّجات انفعلوا وواجهوا بردّة فعل عنيفة، بل بالعكس من ذلك.

وكذلك من المهم أن نعرف بأنّ أسباب وعلل الظواهر الاجتماعية ليست واحدة، مثلاً في مسألة عدم ارتداء الحجاب يوجد أكثر من عشرين سبب وعلّة لعدم ارتداء الحجاب، ولكلّ سبب طريقة معيّنة للعلاج، ولكن بعض المؤمنين يتوهّم أنّ كلّ امرأة لا ترتدي الحجاب فإنه يمكننا أن ننهاها بنفس الأسلوب وبنفس الطريقة! هذا غير صحيح، لا بدّ أن نعرف الأسباب بشكل صحيح، ومن ثمّ نشخّص أسلوب العلاج المناسب، فهكذا يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مؤثّراً.

الإنسان ذو منطق، ذو عقل، وذو عاطفة، وغالباً يحتاج إلى المحبّة، إلى العطف، نعم بعض الأشخاص لا ينفع معهم هذا الأسلوب، ولذا نحتاج معهم أن ننتقل إلى مرتبة أخرى من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلّ ذلك يعتمد على التشخيص الصحيح.

  • السؤال الرابع: يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر احتمال التأثير وعدم الضرر، فكثير من الناس لا يقوم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بذريعة أنه لا يحتمل التأثير في الطرف المقابل، أو بذريعة احتمال الضرر، من هنا نريد أن نعرف ما هي حدود شرطية احتمال التأثير؟ وما هي حدود شرطية عدم الضرر؟ ما هو الضابط فيهما؟

في الحقيقة في كثير من الأحيان يوجد تأثير للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وموارد عدم التأثير نادرة جدّاً، فأنا إذا نهيت فلاناً عن المنكر، فقد يكون في البداية لا يتأثّر، أو يتأثّر بمستوى قليل جدّاً، ثم يأتي شخص آخر وينهاه أيضاً، فيتأثّر بمستوى قليل أيضاً، وهكذا يأتي الثالث والرابع والخامس، فتتراكم النواهي فتكون مؤثّرة. 

إذاً، كلّ أمر ونهي له درجة من التأثير، فإذا اجتمعت كان تأثيرها أكبر وأقوى. 

وحتى أُقرّب الفكرة أذكر لك هذه الحادثة: كنت قد سمعت تسجيلاً صوتياً لإحدى النساء الإيرانيات، تتحدّث فيه مع قناة الـ (بي بي سي)، تقول لهم: أنا الآن ذهبت إلى شوارع طهران من دون حجاب، وفي السابق كنت أخاف وأخشى أن يعترض عليّ الناس أو الشرطة، ولكن الآن أنا أذهب إلى هناك بدون حجاب بكلّ أريحية وبلا خوف.

فهنا لاحظ هذه المرأة، ففي السابق كانت تشعر بالخشية وعدم الأريحية عندما تنزع الحجاب، لماذا؟ لأنّ هناك من ينهى عن المنكر، وعدم الارتياح هذا أدّى بها إلى تنقل هذا الكلام إلى قناة معادية، وهذا يعني أنه كان يوجد تأثير للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لمثل هذه المرأة، أما عندما لا يقوم الناس بهذه الوظيفة فإنّ أهل المعاصي لا يرتدعون.

نعم، في بعض الموارد قد أتيقّن بأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يؤثّر في هذا الشخص، كما لو أمرناه ونهيناه عدّة مرّات بلا فائدة، فعرفنا قطعاً أنه لا يتأثّر، فهذا يتوقّف على معرفة هذا الشخص، أما الأشخاص الذين لا نعرفهم فغالباً نحتمل فيهم التأثير.

المحاور: أحسنتم شيخنا، هذا بالنسبة لاحتمال التأثير، ولكن ماذا عن شرطية عدم الضرر، هل يختص بالضرر الجسدي مثلاً، أو يشمل الضرر النفسي أيضاً؟ كما لو أنّ شخصاً يتأذّى نفسياً من الشتم مثلاً، فإذا نهى فلاناً عن المنكر فقد يشتمه فيتأذّى نفسياً، فهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكون واجباً هنا؟

الشيخ: الضرر الجسدي، والضرر المالي، والضرر النفسي، كلّ ذلك لا بدّ أن يكون ضرراً معتدّاً به، ومعتنى به، فهنا لا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما الضرر الذي لا يعتنى به فلا يسقط التكليف، وإلا فأغلب التشريعات فيها ضرر بالمعنى العام، فيها مشقّة، ولكن هذا لا يوجب سقوطها.

وهنا ننبّه إلى أنه لا بدّ على الدولة الإسلامية الشرعية أن تؤمِّن هذه الجهة لأفراد المجتمع، بحيث يمكن للفرد المسلم أن يقوم بتكليفه الشرعي وهو آمن على نفسه وماله وعرضه. فهذه مسؤولية أخرى تقع على عاتق الدولة الإسلامية.

  • السؤال الخامس: هل يمكن لكم أن تذكروا لنا بعض مجالات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المهمة والتي قد لا يلتفت إليها المؤمنون؟

يمكن أن نلاحظ الأمور التالية:

أولاً: في دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية -والذي كُتب على يد مجموعة من الفقهاء الكبار- توجد عبارة لطيفة في المادة الثامنة منه، تقول: "في جمهورية إيران الإسلامية تعتبر الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مسؤولية جماعية ومتبادلة بين الناس، ويتحمّلها الناس بالنسبة لبعضهم بعضاً، وتتحمّلها الحكومة بالنسبة إلى الناس، والناس بالنسبة للحكومة، والقانون يعيّن شروط ذلك، {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}". وهذه المجالات التي ذكرها الدستور الإيراني قد ذكرناها في الجواب عن السؤال الأول مفصّلاً.

ثانياً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هل هو حقّ أو مسؤولية؟ هل هو حقّ أو تكليف؟ نقول: كلاهما؛ فكلّ مسؤولية لا بدّ أن يلازمها حقّ التنفيذ، مثلاً: وجوب الإنفاق على الزوجة، هذه مسؤولية على الزوج، فلا بدّ أن يلازمها حقّ التنفيذ وأن لا يُمنع الزوج من الإنفاق، وهكذا سائر التكاليف والمسؤوليات.

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضاً كذلك؛ فهو مسؤولية وتكليف على عاتق الشعب، وبالتالي من حقّهم أن يمارسوا مسؤوليتهم، ولا يحقّ للدولة مثلاً أن تمنع الناس من ممارسة هذا الحقّ.

فالذي أريد التنبيه عليه هنا هو أنّ هذا الأمر من المجالات التي قد يُغفل عنها، فلا بدّ أن أعرف أنه من حقوقي كفرد مسلم أن أمارس تكليفي ومسؤوليتي الشرعية، ولا يحقّ للدولة أو غيرها أن تمنع من ذلك، بل على الدولة أن توفّر الظروف والمناخ الملائم للناس من أجل إعمال هذا الحقّ، فما دامت الدولة تدّعي أنّ دستورها مستمدّ من الإسلام فلا بدّ أن تقوم بهذا الأمر، وهذا ما أشار إليه الدستور الإيراني أيضاً، حيث قال: "تلتزم حكومة جمهورية إيران الإسلامية بأن توظّف جميع إمكانياتها لتحقيق جميع ما يلي: الأول: خلقُ المناخ الملائم لتنمية مكارم الأخلاق على أساس الإيمان والتقوى"، فهذه من مسؤوليات ووظائف الدولة الإسلامية، ومن ضمنها تهيئة المناخ الملائم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك عن طريق توفير القوانين المناسبة لحماية الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكذلك تعليم الشرطة والقضاة والسلطة أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو وظيفة وحقّ للناس.

  • السؤال السادس: شيخنا العزيز، نلاحظ في كثير من المجتمعات الإسلامية ابتعاد الناس عن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم العمل بها، فما هي العوامل التي أدّت إلى هذا التراجع؟ وكيف يمكننا كمبلّغين أو كمكلّفين أن نعيد إحياء هذه الفريضة بحيث تكون ثقافة عامة مقبولة في المجتمع؟

يمكن أن نذكر سببين مهمّين:

السبب الأول: الناس أنفسهم

فالناس إذا تركوا وظيفة من الوظائف الإلهية فإنه شيئاً فشيئاً تنحسر، وتنخلق ثقافة عامة معاكسة لا يمكن إصلاحها بسهولة بعد ذلك.

مثلاً: الحصى الصغير إذا وقع في النهر، في البداية لا توجد مشكلة، فيأتي النهر ويجرفه، ولكن إذا استقرّ الحصى في قاع النهر، وتراكم الحصى بعضه فوق بعض، ثم مع مرور السنوات سوف يصبح حجراً قاسياً، وبعد ذلك يصعب قلعه.

فالمنكرات كذلك، فهي لم تصبح -في بعض المجتمعات- ظاهرة من الظواهر إلا بسبب عدم قيام الناس بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منذ البداية، فكان في البداية يمكن علاجها بشكل أسهل، أما الآن بعد أن أصبحت ظاهرة فيصعب علاجها.

السبب الثاني: الدولة

فالدولة إذا كانت قوانينها ضعيفة حول هذا الموضوع، أو أنها لا تنفّذ القوانين بشكل حازم، ولم تهيّئ المناخ الملائم لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنّ الناس والشعب من الطبيعي سوف تبتعد عن هذه الفريضة؛ إذ الناس على دين ملوكهم.

أما كيف يمكننا أن نحيي هذه الفريضة؟ 

نقول: لا بدّ أن نعلّم الناس مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نعلّمهم مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نعلّمهم الضوابط، نبيّن لهم فوائد وحسنات هذه الفريضة، سواء كان هذا التعليم بالكتابة، أم بالخطابة، أم بالمحاضرات، أم بغير ذلك، فهذه الثقافة تنخلق عن طريق التعليم الدؤوب. 

ولا بدّ أن نبيّن مراتب هذه الفريضة في زماننا المعاصر، فمن المهم جدّاً أن نبيّن المصاديق المعاصرة، ولا نكتفي بالأمور الكلية، يعني في زماننا من أيّ مرتبة نبدأ؟ هل نبدأ بالهاتف؟ هل نبدأ بالشبكات الاجتماعية؟ وهكذا نلحظ سائر الجزئيات الدخيلة؛ من أين نبدأ؟ بأيّ وسيلة؟ بأيّ أسلوب؟ وهكذا.

  • السؤال السابع: نختم بهذا السؤال شيخنا العزيز، لعلّ البعض يتوهّم بأنّ الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بدّ أن يكون عاملاً بهذا المعروف، وأن يكون تاركاً لهذا المنكر، وإلا فلا يحقّ له أن يأمر بفعل هو لا يفعله، ولا يحقّ له أن ينهى عن فعل هو لا ينتهي عنه، فما هي النظرة الصحيحة تجاه هذه المسألة؟

ليس من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الآمر ممّن يقوم بهذا الفعل، وأن يكون الناهي ممّن ينتهي عن هذا الفعل، فهذا لا يُذكر في الكتب الفقهية. بل الناهي عن المنكر مثلاً حينما ينهى عن المنكر فنحن لا ندري الآن أنه ممّن يرتكب المنكر أو لا، فلعلّه تاب مثلاً، فلذا يكفي حين النهي أن يكون المكلّف من ناحية قلبية يُنكر هذا الفعل، وإلا لو التزمنا بهذا الشرط لما أمر أحدٌ أحداً، ولما نهى أحدٌ أحداً، فهذا الشرط غير موجود.

المحاور: في الختام لا يسعنا إلا أن نشكر سماحة الشيخ العزيز على ما أفاده من معلومات قيّمة، وبيانات واضحة، وعلى إتاحته الفرصة لنا بأن نجري معه هذا الحوار، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه محمد وعلى آله الطيّبين الطاهرين.


([1]) سماحة الشيخ رضا إبراهيم محمديB، من مواليد عام 1976م في مدينة كرج الإيرانية، انضمّ إلى الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة عام 1991م في مدرسة الشهيدين، وفي عام 2000م بدأ بدراسة البحث الخارج، وقد تتلمذ على يد الآيات العظام التبريزي، والوحيد الخراسانيB، وشب زنده دارB، والعندليبيB، والكعبيB، ومنذ ذلك الوقت بدأ بتدريس العلوم الحوزوية وبالخصوص علم أصول الفقه، كالكفاية والرسائل والمكاسب.

في عام 1996م انضمّ إلى مؤسسة الإمام الخمينيN في قم المقدّسة في قسم الإلهيات والمعارف الإسلامية، وفي عام 2006م تمّ قبوله في تخصّص الحقوق والقانون الجنائي وعلم الجريمة، إلى أن قدّم رسالة التخرّج تحت عنوان: دراسة حول تسليم المجرمين في الفقه والحقوق "بررسى استرداد مجرمان در فقه وحقوق".

منذ عام 2004 م يشغل منصب مدير قسم القانون والحقوق بمركز الدراسات والردّ على الشبهات في مؤسسة الإمام الخمينيN.

له العديد من الكتابات والترجمات والمقالات العلمية المنشورة في المجلّات العلمية المختلفة.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا