سِمات اليهود في القرآن وصلاحيتها للاِنطباق الزَّمكاني

سِمات اليهود في القرآن وصلاحيتها للاِنطباق الزَّمكاني

الملخّص:

يتعرّض الكاتب إلى بحث قرآني مهمّ، وهو سمات اليهود في القرآن وصلاحيتها للانطباق الزمكاني، فكثيراً ما تُطبَّق الآياتُ التي ذكرت أوصاف اليهود وتُسْقَط على اليهود الذين في عصرنا. فيتعرّض الكتاب إلى الآيات التي ذكرت صفاتهم، ثم يبحث حول هذه الصفات: هل تنطبق على اليهود الذين في عصرنا أم لا؟ إذ أنّ هناك من ذهب إلى عدم انطباقها على اليهود الذين في عصرنا، مستنداً على قاعدة تاريخية النصّ القرآني -أي: إنَّ القرآن الكريم مختصّ بعصره فقط، ولا يمكن أن تنطبق آياته على غير الزمان الذي نزل فيه-، وقد فنَّد الباحث هذه الدعوى وأبطلها مستعيناً بالأدوات القرآنية والأصولية واللّغوية؛ فكانت النتيجة أنّ الشخصية اليهودية قديماً وحديثاً شخصية واحدة.

 

مقدّمة:

تواجه البحوث القرآنية -التي تتناول البحث عن سمات فئة من الفئات التي ذكرها القرآن الكريم كالكفّار عموماً أو اليهود خصوصاً أو غيرهم كالمنافقين- بتساؤلات رئيسيَّة في صلاحية هذه السِّمات المذكورة للامتداد الزَّمانيِّ والمكاني وانطباقها على الفئة المقصودة في كلّ زمان ومكان، من هنا كان من الضَّروري ملامسة هذه المسألة ومحاولة علاجها ببحث بعض الأدوات والقواعد العلميَّة التي ترفع الإشكال وتُصحِّح اللَّبس، وتكشف عن حقيقة حيويَّة البحث في السّمات وصلاحيتها للاِنطباق والامتداد. 

ثم رأينا من المناسب البحث في إثبات وحدة الشَّخصيَّة اليهوديَّة على امتداد عمود الزمان من خلال القرآن الكريم بدراسة تطبيقيَّة مشيرة.

ثمَّ إنَّ القرآن الكريم عندما يتحدَّث عن الشَّخصيَّة اليهوديَّة ويطلق عليها أوصافاً معيَّنة، أو يبرز سِماتها التي تتَّصف بها؛ فهل يريد القرآن الكريم بذلك وصفَ كلّ فردٍ فردٍ ممَّن يصدق عليه أنَّه يهودي، أم أنَّه يُطلق ذلك من باب الحالة الغالبة، ومن حيثيَّة المجموع لا الجميع؟ فاتجه البحث للتنقيب عن حقيقة اليهود ومن هي الفئة التي تشكّل الحالة الغالبة منهم.

ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ أهميَّة هذا البحث تنشأ من حيثيَّة ما قد يُستَندُ إليه في مقام المحاججة ونسف ما يذكر من سِماتٍ لليهود في القرآن الكريم وصلاحية امتدادها عبر الزمان والمكان بمقولة: "تاريخيَّة النَّص القرآني"؛ التي تدَّعي بأنَّ النصَّ القرآنيّ لمَّا كان نازلاً في مقطع زمنيٍّ معيَّن، فإنَّ المخاطب به هم خصوص الحاضرين في ذلك الزَّمن، فهم العارفون بالخصوصيَّات الزَّمانيَّة والمكانيَّة والقرائن المكتنفة بالنَّص، أمَّا اللَّاحقين على زمن النَّص؛ فإنَّهم غير معنيّين به لانقطاعهم عن ظروفه وملابساته وما يحيط به من مقتضيات ترتبط بتلك البيئة وذلك الزَّمن.

ويُعرِّف الدكتور أحمد إدريس الطعان مقولة "تاريخيَّة القرآن"، بأنَّها: "إخضاع النَّصِّ القرآنيّ لأثر الزَّمان والمكان والمخاطب مطلقاً"([1]).

إذن فبحسب هذا الاتِّجاه فمداليل الآيات القرآنيَّة ليس لها صلاحيَّة الشمول والعموم لكلِّ زمان ومكان، وإنَّما هي مرتبطة بمرحلة بشريَّة محدَّدة أو مقطع زمنيِّ معيَّن لا تتعداه.

ويُرتِّب أصحاب هذا الاتجاه آثاراً خطيرة على تلك المقولة، وهي القول:

1- بأنَّ تعاليم القرآن المقدَّسة مرتبطة بظروف تاريخيَّة.

2- بأنَّ العقائد الإسلاميَّة وصياغاتها ذات طابع تاريخيٍّ.

3- القول بتاريخيَّة الفكر؛ أي ارتباطه بالواقع السياسيِّ الاِجتماعيِّ الثَّقافيِّ الَّذي أنتجه أو   -على الأقل- الَّذي تحرَّك فيه.

4- القول بتاريخيَّة الشريعة وتاريخيَّة التَّفسير القرآنيِّ.([2])

ويرى "أركون" -أحد أبرز المروِّجين لهذه الفكرة من العلمانيِّين- أنَّ بالتَّاريخيِّة في تفسير النَّصِّ الدينيِّ سنتخلص من عناوين ما يسمَّى بأهل الذِّمة مثلاً، ومن الفضاضة المتشدِّدة للَّاهوت المسيحيِّ تجاه اليهود والمسلمين ونصل إلى التخلُّص أيضاً من النِّظام اللَّاهوتي للحقيقة المطلقة([3]).

ويقول أركون في كتابه "الإسلام الأخلاق والسياسة"في سياق حديثه عن تاريخيَّة القرآن ودعواه بمحاولة النَّصِّ القرآنيِّ تحوير الخطاب بهدف إضفاء الصلاحيَّة لنفسه للاِمتداد الزَّمانيّ والمكانيّ، يقول:

"سوف نضرب هنا مثلاً على هذه العمليَّة (أي عمليَّة خلع التعالي على أحداث تاريخيَّة واقعيَّة حصلت في زمن النبيِّ)، ولكنَّها حُوِّرت من قبل الخطاب القرآنيِّ لكي تتَّخذ دلالة كونيَّة تتجاوز خصوصيَّتها المحليَّة، وتتَّخذ صفة الكونيَّة؛ وتصبح وكأنَّه لا علاقة لها بحدث محدَّد وقع في التَّاريخ المحسوس. يخصُّ هذا المثل ذلك التحالف الشهير الَّذي عقده محمَّدe مع اليهود والمعارضين الآخرين في المدينة، والَّذي يدعى بصحيفة المدينة... انظر الآن كيف يتحدَّث القرآن عن هذه المسألة: 

{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذين آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأنتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأنقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(سورة آل عمران: 101- 104).

ثم لنركِّز الاِنتباه أيضاً على الآية (110) من السورة نفسها:

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَان خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}".

يضيف: "هذه هي طريقة الخطاب القرآنيِّ في التَّعرُّض لتلك المسألة، أي لتلك الحادثة التَّاريخيَّة... [ويقول:] وأمَّا أنا فأودُّ، فيما يخصُّني، الإلحاح على العمليات الأسلوبيَّة والبلاغيَّة الَّتي اتَّبعها القرآن لكي يمحو المعالم المحسوسة والإشارات التَّاريخيَّة الدَّقيقة عن طريق أسلوب التَّسامي والتَّصعيد: أي تصعيد هذه الأحداث بالذَّات، وإسباغ الروحانيَّة الدينيَّة والكونيَّة على مفردات ذات مضمون اجتماعيِّ وسياسيِّ وقانونيِّ في الأصل (أي في زمن جريان التَّجربة الأوَّليَّة، تجربة المدينة). وهكذا ينجح في محو كلِّ التَّفاصيل والدقائق التَّاريخيَّة للحدث، ويصبح خطاباً كونيَّاً موجَّهاً للبشر في كلِّ زمان ومكان. وهكذا يفقد صفته التَّاريخيَّة فيبدو وكأنَّه خارج التَّاريخ أو يعلو عليه".([4])

ولسنا هنا بصدد الردِّ على الفكرة التي طرحها أركون ومناقشتها بخصوصها([5])، وإنَّما ذكرناها على سبيل الإشارة لواحدة من الأمثلة السيئة لتطبيق مقولة التَّاريخيَّة على النَّصِّ القرآني، وكأنَّ القرآن الكريم جاء ليدلِّس على المخاطبين ويخفي ببراعته تاريخيَّته -كما يعبِّر-، ليأتي هو ويكشف ذلك منقذاً!!

ذكرناها لنرى كيف أنَّ أصحاب هذه المقولة يحاولون تفريغ القرآن الكريم من مضمونه الهادي، وتجريده من الفاعليَّة المتدفِّقة المستمرَّة الملازمة في العطاء والهداية لكلِّ زمان ومكان.

هذا وتصطدم مقولة "تاريخيَّة القرآن" بما ثبت -في محلِّه- من دستوريَّة القرآن الكريم وصلاحيَّة تعاليمه وإرشاداته وأحكامه لكلِّ البشر وفي كلِّ زمان ومكان([6])، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقرآن لِأنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}(الأنعام:19)، وقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذي نَزَّلَ الْفُرْقَان عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}(الفرقان:1).

وقوله تعالى: {وَأنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(النحل:44).

إذاً فالقرآن الكريم يتحدَّث عن صلاحيَّته في الإنذار والتَّبليغ والهداية والتَّقنين الشامل لكلِّ أبعاد الحياة، وهو صالح للشمول والاِنطباق في الاِمتدادين الزَّمانيِّ والمكانيِّ استجابة لتغيُّرات الواقع المستمرَّة في تصاعُدٍ على طول التَّاريخ.

فالآيات النَّازلة في سبب خاصٍّ تتجاوز بدلالتها هذا السبب لتمتدَّ إلى غيره المشابه له في حركةٍ مستمرَّةٍ توازي حركة الواقع وتقدُّمه، كلُّ ذلك اعتماداً على عموميَّة اللَّفظ وإطلاقه وشموله، إضافة إلى بعض القواعد الأخرى الَّتي تُسهِمُ في ذلك بطرق وأدوات مختلفة.

المبحث الأوَّل: القواعد المفيدة للاِمتداد الزَّمانيِّ والمكاني

المطلب الأوَّل: القواعد القرآنيَّة

   ممَّا تقدَّم تبرز الحاجة لبحث بعض القواعد القرآنيَّة التي يمكن الاِستناد إليها في الدَّلالة على الاِمتداد الزَّمانيِّ والمكانيِّ للنَّصِّ القرآني. وسنكتفي ببحث قاعدتين قرآنيَّتين مهمَّتين:

القاعدة الأولى: العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب

وهي قاعدة قد يُعَبَّر عنها في علم الأصول بـ "المورد لا يخصِّص الوارد". وقد جاءت هذه القاعدة لتجيب عن التساؤل المرتبط بالنُّصوص القرآنيَّة النَّازلة وما تفيده في مسألة العموم والخصوص، فقد يكون الوارد من القرآن نازلاً لجواب عن سؤال أو سبب، فعندئذٍ هل نَحمِلُ النَّصَّ على عموم اللَّفظ أم نذهب للقول بتخصيصه للسبب النَّازل فيه؟

فقد اتَّجه العلماء للقول بأنَّ العبرة بعموم اللَّفظ وإطلاقه، لا بخصوص السبب ومورده، فلو جاء نصٌّ قرآنيٌّ بسببِ موردٍ معيَّن أو حادثة خارجيَّة معيَّنة، فإنَّ اللَّفظ يبقى على عمومه وينطبق بذلك على أفراده حين النُّزول، ويتعدَّى إلى نظائره بعد ذلك مطلقاً، ولا تقيِّده تلك الحادثة أو المورد الَّذي نزل النَّصُّ بسببه([7]).

نعم يبقى السبب الخارجيُّ ظرفاً ومثيراً لنزول النَّصِّ العامِّ الشامل لهذا السبب ونظائره المشابهة له في الاِمتداد الزَّمانيِّ والمكاني، فهو بذلك يقوم بدور الإشارة لا التَّخصيص، يقول الشهيد الصدرN في هذا السياق:

"قد جرت عادة القرآن أن يُنَزِّلَ أحكامه وتعليماته وإرشاداته على أثر وقائع وأحداث تقع في حياة النَّاس وتتطلَّب حكماً وتعليماً من الله، لكي يجيء البيان القرآنيُّ أبلغ تأثيراً وأشدَّ أهميَّة في نظر المسلمين وإن كان مضمونه عامَّاً شاملاً"([8]).

ويقول العلَّامة الطباطبائيS في التَّأكيد على عموميَّة الخطابات القرآنيَّة، وعدم اقتصارها على سبب النُّزول:

"ما ورد من شأن النُّزول لا يوجب قصر الحكم على الواقعة لينقضي الحكم بانقضائها ويموت بموتها؛ لأنَّ البيان عامٌّ والتَّعليل مطلق، فإنَّ المدح النَّازل في حقِّ أفراد من المؤمنين أو الذَّمَّ النَّازل في حقِّ آخرين معلَّلاً بوجود صفات فيهم، لا يمكن قصرهما على شخصِ مورد النُّزول مع وجود عين تلك الصِّفات في قوم آخر بعدهم وهكذا"([9]).

إذاً فالأصل في الخطابات القرآنيَّة أنَّها جاءت على نحو القضيَّة الحقيَّقية، وإن كانت هنالك خطابات صدرت على نحو القضيَّة الخارجيَّة، فيقول العلَّامة معرفة بشأنها:

"فإنَّها لا تعمُّ بلفظها، وإن كانت تعمُّ بملاكها، إذا كان قد أحرز يقيناً، وفي القرآن منه كثير"([10]).

ويضرب لذلك مثالاً، كما في قوله تعالى: {الَّذين اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذين قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(آل عمران:172-173).

يقولN: "والشاهد، في قوله تعالى: {قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} إشارة إلى أناس معهودين أو فرد معهود، والمقصود من {النَّاس} الَّذين جمعوا لهم، هم أصحاب أبو سفيان

نعم مجموعة هذه الحادثة تفيدنا مسألة الثَّبات على الإيمان وأن لا نهاب عدوَّاً ولا تجمُّع النَّاس ضدَّ الحقِّ ما دام الله ناصرنا وكافلنا"([11]).

وهذا يعني أنَّ العلَّامة معرفة لا يرى بذلك أنَّ شمول العامِّ لأفرادِ غيرِ السبب النَّازلِ فيه؛ حاصلٌ بالعامِّ نفسه، وإنَّما شموله لهم بدليل آخر كوحدة المناط مثلاً.

ومن المهمِّ الإِلماع إلى أنَّ الكثير من الروايات التَّفسيريَّة التي وردت في تفسير الآيات القرآنيَّة في أهل البيتi جاءت من باب تعيين المصداق الأكمل، وهذا لا يوجب اِنحصار الآية فيهم([12]).

نعم هنالك نصوص قليلة وردت في القرآن الكريم وقد نزلت في واقعة خاصَّة لا يمكن تسريتها وتعديتها لغيرها حتَّى في حالة وجود الأشباه والنَّظائر؛ للقرينة الخاصَّة الحافَّة بها، كآية التصدُّق بالخاتم النَّازلة في أمير المؤمنينg([13])، حيث لا يمكن الالتزام بإعطاء الولاية على المؤمنين لكلِّ من تصدَّق بخاتمٍ في صلاة!!

ثمَّ إنَّه في حالة كون النَّصِّ خاصٌّ في ذاته، أو وُجِدَ تخصيص للنَّصِّ العامِّ أو تقييد للمطلق في الآية؛ فإنَّه من الواضح أنَّ العامَّ يُحمَلُ على الخاص، والمطلق على المقيَّد، فيقدَّم التَّخصيص والتَّقييد على العموم والإطلاق([14]).

أمَّا في حالة الشكِّ في اِنحصار دلالة الآية على خصوص السبب، فإنَّ الأصل في ذلك هو عدم الاِنحصار([15])؛ وذلك لأصالة الإطلاق([16]).

وقد ذكر العلماء عدداً من الأدلَّة والشواهد على القاعدة، لا يسع المقام لذكرها([17])، وإنَّما نشير من باب الاِستشهاد والاِستئناس لما رواه الصدوق في الرواية مسنداً عن الإمام الرضاg عن أبيه الإمام الكاظمg:

>إنَّ رجلاً سأل أبا عبد اللهg: ما بال القرآن لا يزداد عند النَّشر والدراسة إلَّا غضاضة؟ فقال: لأنَّ اللّه‌ لم ينزِّله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كلِّ زمان جديد، وعند كلِّ قوم غضٍّ إلى يوم القيامة<([18]).

القاعدة الثَّانية: الجريُّ والتَّطبيق

تُعَدُّ قاعدة "الجريِّ والتَّطبيق" إحدى القواعد الأساسيَّة في تفسير القرآن الكريم، وتُعرَّفُ القاعدة بأنَّها:

"إسقاط وتطبيق مفاد آيةٍ من آياتِ القرآن نزلتْ في شأن من الشؤون على شأن آخر لم يكن قد وقع في عصر النَّصِّ أو لم يكن منشأً للنُّزول ولكنَّه واجدٌ لذات الخصوصيَّات الَّتي اقتضت نزول الآية في ذلك الشأن"([19]).

وتعنى القاعدة بتطبيق المفاهيم القرآنيَّة على القضايا المستجدَّة باعتبارها مصاديق جديدة للمفهوم القرآني، وهي على نوعين:

الأوَّل: الجريُ والتَّطبيق على المصاديق الجديدة مع بقاء المفهوم على عرفيَّته وظهوره الأوَّلي، كما هو في "الجريُ الظاهري".

الثَّاني: الجريُ والتَّطبيق على المصاديق الجديدة مع تطوير مفهوم اللَّفظ أو العبارة ثم تطبيقه على المصاديق الملائمة، كما يحصل في "الجري التأويليّ" ([20]).

وهذا التَّفريق بين نوعي الجريِّ المذكورين أشار إليهما العلَّامة الطباطبائي في تعليقه على رواية للفضيل بن يسار سأل فيها الإمام الباقرg عن رواية، جاء فيها: >"ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن..."، ما يعني بقوله ظهر وبطن؟ قال: >ظهره تنزيله وبطنه تأويله، منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد، يجري كما يجري الشمس والقمر، كلَّما جاء منه شيء وقع...<([21]).

يقول العلَّامةN: "وقولهg منه ما مضى ومنه ما يأتي ، ظاهره رجوع الضمير إلى القرآن باعتبار اشتماله على التَّنزيل والتَّأويل فقوله: يجري كما يجري الشمس والقمر يجري فيهما معاً، فينطبق في التَّنزيل على الجريِّ الَّذي اصطلح عليه الأخبار في انطباق الكلام بمعناه على المصداق كانطباق قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذين آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}(التوبة: ١٢٠)، على كلِّ طائفة من المؤمنين الموجودين في الأعصار المتأخِّرة عن زمان نزول الآية، وهذا نوع من الاِنطباق، وكانطباق آيات الجهاد على جهاد النَّفس، وانطباق آيات المنافقين على الفاسقين من المؤمنين، وهذا نوع آخر من الاِنطباق أدقُّ من الأوَّل، وكانطباقها وانطباق آيات المذنبين على أهل المراقبة والذكر والحضور في تقصيرهم ومساهلتهم في ذكر الله تعالى، وهذا نوع آخر أدقُّ من ما تقدَّمه.."([22]).

وتهدف القاعدة إلى بقاء القرآن حيَّاً خالداً متجدِّداً في الاِمتدادين الزَّمانيِّ والمكاني، فالآيات القرآنيَّة بذلك لا تبقى مقتصرة على الأشخاص أو الحوادث والقضايا التي نزلت الآية بشأنها، وإنَّما تتجاوز ذلك لتجري على المصاديق ذات الخصوصيَّات والحثيَّات المشابهة لها في سبب النزول وشأنه، والقاعدة بذلك تعني أنَّها "لا ترى للقرآن زماناً أو مكاناً ومخاطباً خاصَّاً، بل تصرِّح أنَّ للقرآن مخاطباً جديداً في كلِّ عصر"([23]).

  • أمَّا السؤال الجوهريُّ المرتبط بهذه القاعدة فهو: ما هو المصحِّح لعملية الجريِّ والاِنطباق الَّذي يسمح لنا باستخدام القاعدة وتطبيقها على الآيات القرآنيَّة؟

وقد أجاب سماحة الشيخ محمَّد صنقورB في كتابه "شؤون قرآنيَّة" عن ذلك بذكر ثلاثة عناصر:

العنصر الأوَّل: "أنَّ القرآن الكريم كتابُ هدايةٍ وليس كتاباً تاريخيَّاً غرضه التَّوثيق لبعض الأحداث والوقائع أو التَّوصيف لسلوكٍ اجتماعيٍّ أو الحكم على فردٍ أو فئةٍ بالكفر أو الفسوق أو النِّفاق أو الإيمان، وإذا كان ذلك واحداً من أغراضه فلا يتعدَّى كونه غرضاً ثانويَّاً، وأمَّا الغرضُ الجوهريُّ فهو اعتماد ذلك الحكم أو التَّوصيف أو تلك الوقائع وسائلَ للتَّبصير والهداية".

ويضيف سماحة الشيخ: "فحينما يوصِّف القرآن الكريم في بعض آياته لسلوكٍ اجتماعيِّ كانت تسلُكُه أُمَّةٌ من الأمم ثمَّ يُخبر عن المصير الَّذي آل إليه أمرُها نتيجةَ ذلك السلوك فإنَّ غرضَه تطبيق مفاد هذه الآيات على واقع أيِّ أُمَّةٍ تقفُ على هذه الآيات، فإن وجدت نفسها منطَبقاً لذلك التَّوصيف فهي معنيَّة من تلك الآيات، وعليه سيكون مآلها ذات المصير الَّذي وقع لتلك الأمة إلَّا أن تثوب إلى رشدِها وتسعى من أجل التغيير لواقعِها".

ويضيف مردفاً: "وهكذا حينما يُحذِّر القرآن مثلاً من المنافقين المعاصرين لزمن النَّصِّ بعد التَّوصيف لخصوصيَّاتهم النفسيَّة والسلوكيَّة فإنَّ غرضَه هو التَّحذير من كلِّ فئةٍ واجدةٍ لذات الخصوصيَّات، وعليه فإنَّ كلَّ فئةٍ متَّصفةٍ بتلك السِمات والخصال فهي مقصودة من ذلك الخطاب ونستطيعُ أن نُسقط عليها عنوان المنافقين"([24]).

العنصر الثَّاني: الظهور الجدِّي لاِنطباق الآية على مُنطَبَقها من الفرد أو الفئة أو الأمَّة، فلا يكفي مجرَّد الظهور البدويّ في ذلك.

يقول سماحة الشيخ: "إذ الظهور الجدِّي هو الكاشفُ العقلائيُّ عن المراد الواقعيِّ للمتكلِّم وهو لا يتيسَّر إلَّا بعد الملاحظة لتمام القرائن والخصوصيَّات المكتنفة بالآية أو المستفادة من مجموع الآيات ذات الصلة"([25]).

ويرى أنَّ الظهور الجدِّي رغم مصحِّحيته لعملية الجريِّ والاِنطباق إلَّا أنَّه لا يؤدِّي إلى الجزم بالاِنطباق؛ لأنَّه ليس كاشفاً قطعياً عن مرادات المتكلِّم الواقعيَّة([26]).

العنصر الثَّالث: "الدراسة الوافية لخصوصيَّات المورد الَّذي يُراد تطبيق الآيةِ عليه، فما لم يُستَوفَ التَّشخيص الموضوعيُّ للمورد لا يكون الجريُّ والتَّطبيق للآية عليه ممَّا يصحُّ التَّعويل عليه عقلائيَّاً"([27]).

هذا ويعتبر اصطلاح الجري اصطلاحاً منتزعاً من رواياتٍ عن أهل بيت العصمةi في شأن القرآن الكريم، وردت فيها مفردة "الجري" "يجري" في سياقٍ يدلُّ على القاعدة، كالرواية الآنفة عن الإمام الباقرg حيث جاء فيها: >يجري كما يجري الشمس والقمر، كلَّما جاء منه شيء وقع<.

والرواية الواردة عن الإمام الصادقg، حيث يقول: >... لو كانت إذا نزلت آية على رجل، ثمَّ مات ذلك الرَّجل ماتت الآية، مات الكتاب، ولكنَّه حيٌّ يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى<([28]).

والأدلَّة على القاعدة كثيرة لا يسع المقام لعرضها والتطرُّق إليها([29]).

المطلب الثاني: القواعد الأصوليَّة واللغويَّة

إنَّ ما ذكرناه ممَّا يدلُّ على العموم والشمول من القاعدتين الآنفتين كان على سبيل الإشارة لا الحصر، فإنَّ القواعد والأدوات القرآنيَّة والأصوليَّة واللُّغوية -التي يستعملها المفسِّر في عملية تفسير القرآن الكريم- وهي بذلك تفيد العموم والشمول والاِستيعاب كثيرةٌ:

كـ "الإطلاق اللَّفظي" المستفاد من قرينة الحكمة، و"الإطلاق المقاميُّ" المستفاد من قرائن أخرى، وما يطلق عليه الأصوليُّون بـ "إلغاء خصوصيَّة المورد"، و"تنقيح المناط أو استنباط العلَّة المفيد للقطع"، وما يفيد التَّعميم بـ "خروج الحكم مورد التَّمثيل"، والعموم المستفاد من "القياس منصوص العلَّة"، وما يعرف بـ "مناسبة الحكم والموضوع". وكذلك "أدوات العموم" الدَّالة على الشمول والاِستيعاب بالوضع.

ويمكن أن يقال بأنَّ "الألفاظ معارفٌ ونكرات، فكلُّ اسمٍ معرفة ذي أفراد يفيد العموم، وكلّ لفظ نكرة في النَّفي أو النَّهي أو الشرط أو الاِستفهام أو الاِمتنان فإنَّه يفيد العموم, سواء كان اسماً أو فعلاً"([30]).

ويدخل تحت الاِسم المعرفة ذي الأفراد الَّذي يفيد العموم:

1- الاِسم الموصول، كـ "الَّذي والَّتي وما تفرَّع عنهما"، و "مَنْ"، و "ما"، و"الألف واللَّام"، و "ذا"، و "أيّ"، والأسماء الموصولة تدلُّ على العموم سواء كان مفرداً أو مثنَّى أو مجموعاً.

2- الجمع مطلقاً، سواء عُرِّف باللَّام أو الإضافة، بشرط أن لا يكون هنالك عهد.

3- إذا كان المفرد اسم جنس فإنَّه يكثر إطلاقه مراداً به الجمع مع تنكيره، أو تعريفه بالألف واللَّام أو الإضافة، شريطة أن لا يكون هنالك عهد.

ويدخل تحت اللَّفظ النَّكرة في النَّفيِّ أو النَّهيِّ أو الشَّرط أو الاِستفهام أو الاِمتنان:

1- الأسماء الاِستفهاميَّة، كـ: "مَنْ"، و "ما"، و "أينَ"، و "أنَّى"، و "أيّ"، و "مَتى"، و "أيَّان"، و "كيف".

2- الأسماء الشَّرطيَّة: كظرف الزَّمان، والمكان، والاِسم المبهم الَّذي يختصُّ بمن يعقل، والاِسم المختصُّ بمن لا يعقل، فكل اسم وقع شرطاً عمَّ مقتضاه. ومن أدوات الشرط: "حيث"، و "ما"، و "أينَ"، و "أنَّى"، و "أي"، و "مَتى"، و "أيَّان"، و "كيف"، و "إذا"، و "مهما".

3- "كل" وما جرى مجراه من الصيغ الصريحة في العموم، كـ: "جميع"، و"كلَّما"، ويلحق بذلك: "أجمع، وأجمعين، ومعشر، وعامة، وكافة، وقاطبة". كلُّ ذلك إذا أضيف إلى نكرة.

4- إذا وقعت النَّكرة في سياق النَّفيِّ أو النَّهِّي أو الشَّرط أو الاستفهام دلَّت على العموم([31]).

ولا بأس بالإشارة إلى بعض الملاحظات ترتبط بما سبق:

1- إنَّ قاعدة "العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب" من القواعد المشتركة بين علوم القرآن والعلم الأصول، بينما "الجريّ والتَّطبيق" قاعدة قرآنيَّة مختَّصة، أمَّا مثل "أدوات العموم" فهي قواعد لُغويَّة تبحث في علوم القرآن وعلم الأصول.

2- يشترط في قاعدة "العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب" أن يكون اللَّفظ عامَّاً مطلقاً لكي تصلح للدَّلالة على الشمول، وكذلك مثل "أدوات العموم" فإنَّ دلالتها على العموم متوقِّف على وضعها له، بينما لا يتوقَّف تحصيل الشمول والاِستيعاب المُفاد من قاعدة "الجريّ والتَّطبيق" بالضَّرورة على كون اللَّفظ عامَّاً في نفسه، وبذلك يكون مجالها أوسع لتحصيل الدَّلالة على العموم والاِستيعاب.

3- كما أنّ هنالك فرقاً في إفادة العموم بين قاعدة "العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب"، وبين القواعد الأصوليَّة الأخرى المذكورة: "إلغاء خصوصيَّة المورد"، و "تنقيح المناط أو استنباط العلَّة المفيد للقطع"، و "خروج الحكم مورد التمثيل"، و "القياس منصوص العلَّة"، و "مناسبة الحكم والموضوع". حيث إنَّ دلالة الأولى على العموم مركَّبة من وجود مورد خاصٍّ، مع وجود حكم عامٍّ بإزائه، بينما القواعد الأصوليَّة الأخرى يكفي فيها وجود المورد لتعطي الدَّلالة على العموم؛ بإلغاء الخصوصية أو تنقيح المناط، أو باعتبار المورد من باب التَّمثيل أو بالاِعتماد على العلَّة المنصوصة، أو بتطبيق الحكم على الموضوع للمناسبة.

المبحث الثَّاني: الوحدة الامتداديَّة للشَّخصيَّة اليهوديَّة

يأتي هذا العنوان لمعالجة ما قد يقال من أنَّ ما ذكره القرآن الكريم في حقِّ اليهود إنَّما كان عن تاريخهم السابق، وذلك إنَّما ينطبق على أجدادهم وأسلافهم الماضين، أمَّا يهود اليوم فليسوا هم يهود الأمس، لذا فالخطاب القرآنيُّ غير متوجِّه لهم ولا يعنيهم بحال.

والجواب عن ذلك:

فإنَّه بالإضافة لما ذُكر في المطلب السابق، فإنَّنا عندما نراجع النُّصوص القرآنيَّة نجد أنَّها تتحدَّث عن اليهود كثيراً بصيغٍ تدلُّ على الاِستمرار والتَّجدُّد والتَّكثُّر، مضافاً إلى الإطلاقات والعمومات الواردة في بعض الآيات، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ}(المائدة:13)، وقوله تعالى كذلك: {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ}(البقرة:91)،{وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا}(البقرة:95)، {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ}(البقرة:96)، {ذَلِكَ بِأنَّهمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ}(الحشر:14)، {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ}(المائدة:82)، {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(المائدة:64).

وكلُّها بصيغ تدلُّ على التَّجدُّد والاِستمرار كالمضارعة، والتَّنكير، وأدوات التَّأكيد والتَّأبيد، والإطلاق، ومن جانب آخر نلحظ استخدام القرآن الكريم لبعض الألفاظ بصيغ المبالغة، نحو {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكَّالون للسحت}(المائدة:42)؛ الَّتي تدلُّ على الممارسة بنحو التَّكرُّر والتَّكثُّر([32]).

فهذه الصيغ من المضارعة والمبالغة والتَّأكيد وصيغ الإطلاق بأنواعها، كلُّ ذلك وغيره يجعل منَّا نفهم أنّ مراد القرآن الكريم هو صيرورة هذه الصِّفات طبائع ملازمة لهذه الشَّخصيَّة في الاِمتدادين الزَّمانيِّ والمكانيِّ.

كما نجد النُّصوص القرآنيَّة تتحدَّث عن وقائع خارجيَّة حدثت تاريخيَّاً ومارس اليهود فيها نوعاً من السلوك المحدَّد. ولا يقالُ بأنَّ الحوادث التَّاريخيَّة إنَّما تكشف عن سِمات محدَّدة تعكس جانباً من الشَّخصيَّة اليهوديَّة آنذاك؛ لأنَّ التَّاريخ اليهوديَّ يخبرنا أيضاً أنَّ اليهود وعلى اِختلاف الأزمنة والأمكنة عند اجتماع عناصر الموضوع وتوفُّر شرائطه ومقتضياته يتكرَّر الفعل التَّاريخيُّ نفسه وبتفاصيله، وتتكرَّر ردَّات الفعل نفسها وتكون متشابهة، ولم يقتصر الأمر على جيل يهوديٍّ واحد، أو فرقة يهوديَّة متفرِّدة، وهذا يعني اتِّحاد الشَّخصيَّة التي تنتج ذات الممارسات عند توفُّر الظروف والعناصر المكوِّنة للحدث ذاته.

  ولذلك نرى القرآن الكريم عندما يخاطب اليهود في عصر النَّصِّ لا يفرِّق بين السابقين واللَّاحقين في اتِّساقٍ نصيٍّ واحد لا يوحي بالاِختلاف والتَّفريق، كما في قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ}(النساء:153).

يقول الدكتور أحمد الزغيبي في هذا السياق: "المتأمِّل في هذه الآية الكريمة، يجد أنَّها تخاطب (يهود يثرب) الحاضرين في زمن الرسولe، ثمَّ عرضت لليهود في زمن موسىg، دون أن يشعر القارئ أو السامع بالاِنتقال من موضع إلى موضع، وكأنَّ الكلام متَّصل بـ (يهود يثرب)، ودون أن يشعر كذلك بالمدَّة الزمنيَّة الهائلة، الَّتي تفصل بين زمني موسى ومحمَّدm، وهي فترة تكاد تبلغ 2000 سنة"([33])، ذلك أنَّ الفعل واحد رغم اختلاف الزَّمان والمكان.

وكذلك الحال في قصَّة البقرة في قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}(البقرة:72).

نرى استخدام القرآن الكريم ضمير المخاطب والجمع في قوله: {مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}، مع أنَّ حادثة القتل وقعت في زمن موسىg، إلَّا أنَّ الخطاب في الآية موجَّه لليهود المعاصرين للنبيe، وأسند القتل والتدارؤ والكتم إليهم، مع أنَّه لم يقع منهم. 

يقول وهبة الزحيلي في تفسيره: "وأسند القتل إلى اليهود المعاصرين للنَّبيe، لأنَّهم من سلالة السابقين، وهم معتزُّون بنسبهم، راضون بفعلهم. وكذلك أسند القتل إلى الأمَّة والقاتل واحد؛ لأنَّ الأمَّة متضامنة، وهي في مجموعها كالشَّخص الواحد، فيؤخذ المجموع بجريرة الواحد، وفيه توبيخ وتقريع للغابرين والحاضرين، والجماعة والأفراد"([34]). والأمثلة والشواهد على ذلك كثيرة.

ويقول الدُّكتور الخالدي في هذا السياق: "ووصف القرآن لبني إسرائيل وأخلاقهم ونفسيَّاتهم وانحرافاتهم وأمراضهم ينطبق على أولئك الأفراد الَّذين كانوا زمن موسى عليهg قبل عشرات القرون، وينطبق على أفرادهم زمن أنبيائهم مثل داود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسىi؛ وينطبق على أفراد اليهود الَّذين أفسدوا في بلاد الحجاز والَّذين واجههم رسولنا محمَّدeقبل عدَّة قرون أيضاً. وينطبق هذا كلُّه على اليهود في القرون اللَّاحقة، أينما أقاموا وحيثما استوطنوا، في بلاد الشرق أو بلاد الغرب. ونرى نحن المسلمين المعاصرين -الَّذين ابتلينا بالفتنة اليهوديَّة- هذا التَّحليل القرآنيَّ ينطبق تماماً على اليهود المعاصرين"([35]).

بل يصحُّ لنا القول بأنَّ ما يقوم به يهود اليوم أوضح دلالةً وانطباقاً للوصف القرآنيِّ ممَّن سبقهم؛ بسبب اِزدياد وسائل الإجرام وتطوُّر أساليبه في عصرنا الحاضر. 

وقد أبرز القرآن الكريم السِرَّ في اتِّحاد الفعل مع اختلاف الزَّمان؛ بإرجاع ذلك إلى المحرِّك الأساس في الشَّخصيَّة الإنسانيَّة وهو القلب، يقول تعالى:{قالَ الَّذين مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ}(البقرة: 118).

ولا يمكن -كما هو واضح- إطلاق عنوان الشَّخصيَّة المحدَّدة على الجماعات والأقوام والهويَّات الدِّينيَّة إلَّا عبر انطباع الصِّفات وصيرورتها كينونة خلقيَّة مترسِّخة، وذلك من خلال الثَّبات والدَّيمومة النِّسبيَّة للسلوك على مدىً زمنيٍّ طويل، وتحقُّق هذا الثَّبات يمكن فهمه من خلال قوله تعالى: {قالَ الَّذين مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} فرغم الفاصل الزَّمانيّ الكبير بين الفئتين المعنيتين من اليهود إلَّا أنَّ قولهم كان واحداً متشابهاً، وهذا منبِّهٌ على تحقُّق الصيرورة الآنفة.

فكلُّ يهوديٍّ يعكس وجوده وممارساته طبيعة الشَّخصيَّة اليهوديَّة بما تمثِّله من مقومات وخصائص وسِمات أخلاقيَّة وسلوكيَّة ونفسيَّة مرضية، بدءاً من اليهوديِّ المعاصر للفترة الفرعونيَّة، مروراً بمن بقي في الَّتيه وانتقل بعدها للأرض المقدَّسة، وصولاً إلى اليهوديِّ المعاصر الَّذي يقبع على أرض فلسطين المغتصبة ظلماً وجوراً وعدواناً. 

وقد ساهمت العديد من العوامل والمعطيات في تشكُّل هذه الشَّخصيَّة والتي بدورها كوَّنت نمطاً خاصَّاً للشَّخصيَّة اليهوديَّة، يمكن أن نوجزها في نقاط:

1- النَّهل من المصادر المعرفيَّة الواحدة: الدِّينيَّة الاِعتقاديَّة، الشرعيَّة المسماة "هالاخاه"([36])، التربويَّة الأخلاقيَّة، وهي: التَّوراة والتِّلمود، وما جرى عليها من تحريف وتغيير.

2- الاِنطلاق من خلفيَّة عنصريَّة واحدة بُنيت عليها الشَّخصيَّة اليهوديَّة منذ العصور الأولى الَّتي عاشتها، تتلخَّص في عدِّة أفكار، منها:

- أنَّ اليهود شعب الله المختار.

- اليهودي والأغيار أو ما يسمَّى في الاِصطلاح القرآنيِّ بـ "الأمِّيِّين".

- التَّفوُّق العرقيُّ المدَّعى.

وهذه الأفكار المغلوطة تنتج مجموعة من السِمات المترابطة ذات السنخ الواحد؛ تتداعى الواحدة منها تلو الأخرى بصورة استجراريَّة متسارعة.

1- ثقافة "الجيتو" والعزلة الاِجتماعيَّة التي جعلت المجتمعات اليهوديَّة منكبَّة على نفسها بعيداً عن الاِحتكاك الثقافيِّ والاجتماعيِّ بالآخرين؛ ممَّا ساهم بشكل كبير في الاِتِّسام بمواصفات موحَّدة.

2- الطبيعة المنغلقة لليهوديَّة كديانة، فهي ليست من الدِّيانات التَّبشيريَّة، وهذا يعني عدم التَّواصل الثقافيّ والدِّينيّ مع الآخر؛ ممَّا ينتج لوناً واحداً على الدَّوام حتَّى مع الاِختلاف الزمانيِّ والمكاني.

3- التَّاريخ المتقلِّب ومسلسل الهجرات الطَّويلة التي عاشها اليهود في فترات زمنيَّة متفاوتة: تارة حاكمة وأخرى محكومة، مشرَّدة ومستقرَّة، عزيزة وذليلة، ممَّا خلَّف شخصيَّة ذات طبيعة متناقضة ومعقَّدة، تستحضر تاريخها بصورة دائمة لا للاستفادة منه لتصحيح واقعها، وإنَّما للانغماس فيه والتَّقوقع حوله.

المبحث الثالث: اليهود بين الفئة المؤمنة والكافرة في القرآن الكريم

عندما يتحدَّث القرآن الكريم عن الشَّخصيَّة اليهوديَّة ويطلق عليها أوصافاً معيَّنة، أو يبرز سِماتها التي تتَّصف بها؛ فهل يريد القرآن الكريم بذلك وصفَ كلّ فردٍ فرداً ممَّن يصدق عليه أنَّه يهودي، أم أنَّه يُطلق ذلك من باب الحالة الغالبة، ومن حيثيَّة المجموع لا الجميع؟

وفي الجواب عن هذا التَّساؤل: فإنَّنا عندما نفتِّش في الآيات القرآنيَّة نجد أنَّ القرآن الكريم يصنِّفُ اليهودَ إلى فئتين:

إحداهما: تمثِّل الغالبيَّة المطلقة؛ وهي الفئة الكافرة. والأخرى: تمثِّل الأقليِّة؛ وهي الفئة المؤمنة.

وهذا يعني أنَّه إذا أطُلِقَ وصفٌ في القرآن الكريم على إحدى هذه المفردات: "اليهود"، "الَّذين هادوا"، "بنو إسرائيل"، "أهل الكتاب" وأمثالها؛ فإنَّ المراد بها الفئة الغالبة منهم وهي الفئة الكافرة، مع ملاحظة استثناء من استثناهم القرآن الكريم، وهي خصوص الفئة المؤمنة القليلة.

وهنا نستعرض بعض الآيات الكريمات الَّتي تشير إلى الفئتين:

المطلب الأوَّل: بعض الآيات الَّتي تشير إلى الفئة الكافرة

الآية الأولى: يقول تعالى: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَان خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}(آل عمران:110).

الآية الكريمة تتحدَّث عن أهل الكتاب، وفيها تعبير دقيق لبيان حالهم في الكفر والفسوق، فلم يصفهم الله تعالى بأنَّهم "كافرون" رغم كفرهم، بل وصفهم بأنَّهم "فاسقون"، وهو تعبير أعمق في التَّشنيع والذَّمِّ؛ لأنَّ "الكافر قد يكون عدلاً في دينه، وقد يكون فاسقاً في دينه"([37]). فالأغلبيَّة من اليهود وأهل الكتاب بإزاء كفرهم فهم فاسقون أيضاً.

هذا ويتكرَّر الوصف لكثير منهم بالفسق من قبل الحقِّ تعالى كما في سورة الحديد، في قوله: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}(الحديد:27)، بينما يصف الأكثريَّة منهم بالفسق في سورة المائدة، في قوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ}(المائدة:59).

يقول صاحب تفسير المنار: "لا يحكم الكتاب العزيز على الأمَّة الكبيرة بفساد جميع أفرادها أو فسقهم أو ظلمهم، بل يسند ذلك إلى الكثير أو الأكثر، أو يطلق اللَّفظ العامَّ ثمَّ يستثني منه"([38]).

الآية الثَّانية: يقول تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإنجِيلَ وَمَا أنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانا وَكُفْرًا}(المائدة:68). 

والشاهد في هذه الآية الكريمة قوله تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ} أي أنَّ كثيراً منهم كافرون ولكنَّهم سيزدادون طغياناً وكفراً على كفرهم وطغيانهم فيما أُنزِل إليك، ولا يقال: إنَّ "من" في {مِنْهُمْ} تبعيضيَّة، وبذلك لا يثبت المطلوب؛ لأنَّ كفر الكثير حاصل على كلِّ حال، ولو قلنا بالتبعيضيَّة لكان ذلك متعلِّقاً بالزيادة في الكفر لا بالكفر في أصله. وقد جاء في أسباب النزول أنَّ الآيةَ نازلةٌ في اليهود([39]).

الآية الثَّالثة: قول الحقِّ تعالى: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ}(المائدة:62).

وقد جاء أنَّ الإثم هو الكفر([40])، وتعبير الآية إنَّهم يسارعون "فيه"، لا أنَّهم يسارعون "إليه"، يعني ذلك أنَّهم داخلون في الكفر، والمسارعة إنَّما هي في الاِزدياد فيه. والآية تتحدَّث عن اليهود([41]).

الآية الرَّابعة: ويقول تعالى في سورة المائدة: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ}(المائدة:66).

أي {وَكَثِيرٌ منهم} يهود {ساءَ ما يَعْمَلُونَ} وهو ذمٌّ لأكثرهم([42]).

الآية الخامسة: ويقول تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}(البقرة:100).

الفريق اسم جنس إفراديّ يصدق على الكثير والقليل([43])، فيكون معنى الآية إمَّا ترقٍّ في الاِنتقال من الإشارة إلى مجموعة من اليهود في نقض العهد ونبذه، إلى الأكثريَّة منهم، أو القول بأنَّ العطف في الآية من باب عطف الجمل، فيكون المعنى بحسب ما يفيده صاحب "تفسير البحر المحيط" شامل في عدم الإيمان لمن نبذ ولمن ينبذ العهد، يقول: "فيكون أكثرهم مبتدأ، ولا يؤمنون خبر عنه، والضمير في أكثرهم عائد على من عاد عليه الضمير في عاهدوا، وهم اليهود. ومعنى هذا الإضراب هو: انتقالٌ من خبر إلى خبر، ويكون الأكثر على هذا واقعاً على ما يقع عليه الفريق، كأنه أعم، لأن من نبذ العهد مندرج تحت من لم يؤمن، فكأنه قال: بل الفريق الذي نبذ العهد، وغير ذلك الفريق، محكوم عليه بأنه لا يؤمن"([44]).

المطلب الثَّاني: بعض الآيات الَّتي تشير إلى الفئة المؤمنة

الآية الأولى: يستثنى مِن تلك الأكثريَّة الآنفة مَنْ استثناهم القرآن الكريم من الثلَّة الصالحة القليلة من بني إسرائيل، وأشار لهم قوله تعالى: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}(الأعراف:159).

فالَّذين لهم الأهليَّة للأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر والدَّعوة إلى الحق؛ هم القلَّة من المجتمع في العادة، لذلك يقول الإمام الصادقg في بيان الآية 104 من سورة آل عمران: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ يقولg: >فهذا خاصٌّ غير عام، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} ولم يقل: على أمَّة موسى، ولا على كلِّ قومه، وهم يومئذ أمم مختلفة..<([45]).

ولم يستبعد العلَّامة الطباطبائي S أن يكون المراد من "الأمَّة الهادية" من قوم موسى الواردة في الآية؛ ليس القلَّة من عامَّة المؤمنين من قوم موسى، وإنَّما هم الأنبياء والأئمة الَّذين نشأوا فيهم بعد موسىg، والَّذين وصفهم الله في كلامه بالهداية في قوله تعالى: {وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ}(السجدة:24).

يقول العلَّامة الطباطبائيS: "لو حُمِلتْ "الآية" على حقيقة معناها من الهداية بالحقِّ والعدل بالحقِّ لم يتيسَّر لغير النَّبيِّ والإمام أن يتلبَّس بذلك"([46]).

الآية الثَّانية: يقول تعالى في وصف القلَّة المؤمنة المتعبِّدة من اليهود ([47]): {لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ}(آل عمران:113-114).

وبضمِّ الآيات السابقة التي تصف أكثرهم بالكفر والفسق، نعرف أنَّ المقصود من "الصالحين" هم القلَّة المستثناة من "أكثرهم" غير المشمولين بوصف الكفر والفسق.

يقول الشيخ السبحانيB في كتابه "مفاهيم القرآن": "أراد سبحانه ألا يبخس حقَّ الأقلَّية الصالحة منهم، تمشِّياً مع الحقيقة، ووفاء للحقّ. وقال: {لَيْسُوا سَوَاءً ...}"([48]).

الآية الثَّالثة: يقول تعالى: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ}(المائدة:66).

الأمَّة هنا يراد بها الجماعة القليلة؛ للمقابلة لها بقوله: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ}([49])، وفي {مُقْتَصِدَةٌ} يقول السدّي: مؤمنة([50])، أي أنَّ هؤلاء -اليهود خاصَّة أو أهل الكتاب عامَّة- منهم جماعة قليلة مؤمنة، والجمع الأكثر المتبقي هي الفئة الكافرة.

الآية الرَّابعة: ويقول تعالى عنهم: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا}(النساء:155).

والآية تتحدَّث عن اليهود، ومحلُّ الشاهد من الآية قوله تعالى: {فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا}.

يقول العلَّامة الطباطبائيS موضِّحاً طبيعة الخطابات القرآنيَّة العامَّة الموجَّهة لفئة معيَّنة، التي يستثني منها القرآن الكريم جزءاً من المجتمع، يقولN:

"هذه الخطابات وما تشتمل عليه من صفات الذمِّ والمؤاخذات والتَّوبيخات، كلُّ ذلك متوجهة إلى المجتمعات من حيث الاِجتماع، فالَّذي لَحِقَه اللَّعن والغضب والمؤاخذات العامَّة الأخرى إنَّما هو المجتمع اليهوديُّ من حيث إنَّه مجتمع مكوَّن، فلا يؤمنون ولا يسعدون ولا يفلحون، وهو كذلك إلى هذا اليوم وهم على ذلك إلى يوم القيامة".

ويضيف: "وأمَّا الاستثناء فإنَّما هو بالنِّسبة إلى الأفراد، وخروج بعض الأفراد من الحكم المحتوم على المجتمع ليس نقضاً لذلك الحكم، والمحوج إلى هذا الاستثناء أنَّ الأفراد بوجه هم المجتمع فقوله: {فَلا يُؤْمِنُونَ} حيث نُفي فيه الإيمان عن الأفراد -وإن كان ذلك نفياً عنهم من حيث جهة الاِجتماع- وكان يمكن فيه أن يتوهم أنَّ الحكم شامل لكلِّ واحدٍ واحدٍ منهم بحيث لا يتخلَّص منه أحد استثني فقيل: {إِلَّا قَلِيلاً}"([51]).

الآية الخامسة: يقول تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ}(البقرة:83).

والآية الكريمة تتحدَّث حول الميثاق الذي أُخِذَ على بني إسرائيل، {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}.

ثمَّ عدَّد بنود وموادَّ هذا الميثاق، {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}.

ثمَّ تذكر الآية نقض أكثرهم بنود هذا الميثاق وعدم عملهم على وفقه مندِّدةً، إلَّا أنَّها استثنت القلِّة المؤمنة منهم، {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ}.

خاتمة في نتائج البحث:

أ- القواعد والأدوات القرآنيَّة والأصوليَّة واللُّغوية تفيد بأنّ الشخصيَّة اليهوديَّة قديماً وحديثاً شخصيَّة واحدة، والنَّصُّ القرآنيُّ لم يأت ليتحدَّث عن خصوص اليهود الموجودين في زمن النَّص، أو اليهود السابقين عليه، وإنَّما جاء ليتحدَّث عن اليهود في كلِّ تاريخهم السابق، وعن يهود زمن النَّص، وعن كلِّ اليهود في الزمن الذي بعده إلى يوم يبعثون.

ب- إنَّ تشكُّل نمطٍ محدَّدٍ للشَّخصيَّة اليهوديَّة لم يكن بدعاً من القول أو ادِّعاءاً جزافيَّاً، وإنَّما ساهم في تشكُّل هذا اللَّون من النَّمط عدَّةُ عوامل، منها: النَّهل من المصادر المعرفيَّة الواحدة، الاِنطلاق من خلفيَّة عنصريَّة واحدة؛ أنتجت مجموعة من السِمات المترابطة ذات السنخ الواحد؛ تتداعى الواحدة منها تلو الأخرى بصورة استجراريَّة متسارعة، ثقافة "الجيتو" والعزلة الاِجتماعيَّة، الطبيعة المنغلقة لليهوديَّة كديانة، فهي ليست من الدِّيانات التَّبشيريَّة، وهذا يعني عدم التَّواصل الثقافيّ والدِّينيّ مع الآخر؛ ممَّا ينتج لوناً واحداً على الدَّوام حتَّى مع الاِختلاف الزمانيِّ والمكاني.

ت- الآيات القرآنيَّة دائماً ما تواجه اليهود كمجتمع متشكِّل وتشير إلى الفئة الغالبة منهم، وإذا أرادت الاِستثناء نجد أنَّ المستثنى هي الفئة القليلة. كما نجد أنَّ الآيات التي تتعرّض لليهود غالبيتها المطلقة سياقاتها سياقات ذمٍّ وتوبيخ.

ث- لا يوجد "فئة مؤمنة" من اليهود إلى يومنا هذا مستثناة من حكم القرآن الكريم على الأغلبيَّة بالكفر والفسق والعصيان وغيره من تلك الأحكام والتَّوصيفات. فبعد بعثة المسيح عيسى بن مريم وبعثة نبيّنا الأكرم محمَّدe، فمن لم يؤمن بهما واحداً بعد الآخر؛ دخل حكماً في عنوان "الفئة الكافرة".

والحمد لله ربّ العالمين.


(1) أحمد الطعان، العلمانيون والقرآن الكريم "تاريخيَّة النَّص"، ص332.

(2) المصدر نفسه.

([3]) محمَّد أركون، القرآن من التَّفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدِّيني، ص58.

(1) محمَّد أركون، الإسلام الأخلاق والسياسة، ص31

(2) للجواب عن شبهة تاريخيَّة النَّصِّ القرآني، انظر: الشيخ حسن الجواهري، القراءة الجديدة للنَّصوص الدِّينيِّة الهرمنوطيقا، فقه أهل البيتi، 41، 2006م، ص156.

([6]) انظر مثلاً: الشيخ جعفر السبحانيB، مفاهيم القرآن، ج3، ص39.

([7]) الشيخ محمَّد هادي معرفةN، التَّمهيد في علوم القرآن، ج1 ص 274. جلال الدِّين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ص125. السيِّد محمَّد باقر الصدر، المدرسة القرآنيَّة، ص232. محمَّد علي الأصفهاني، منطق تفسير القرآن، ص343. عبد الرَّحمن السعدي، القواعد الحسان لتفسير القرآن، ص11.

(1) السيِّد محمَّد باقر الصدرS، المدرسة القرآنيَّة، ص232.

(2) السيِّد محمَّد حسين الطباطبائيS، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص42.

(3) الشيخ محمَّد هادي معرفةN، التَّمهيد في علوم القرآن، ج1، ص274.

(1) الشيخ محمَّد هادي معرفةN، التَّمهيد في علوم القرآن، ج1، ص275.

(2) محمَّد علي الأصفهاني، منطق تفسير القرآن، ص343-344.

(3) السيِّد هاشم البحراني، البرهان في تفسير القرآنS، ج2، ص325.

(1) الشيخ محمَّد صنقور، المعجم الأصولي، ج2، ص461.

(2) محمَّد علي الأصفهاني، منطق تفسير القرآن، ص345.

(3) الشيخ محمَّد صنقور، المعجم الأصولي، ج1، ص248.

(4) لمراجعة الأدلَّة انظر مثلاً: بتول سلحشور، عباسعلى سلطاني، محمَّد حسن حائري، جستاري در قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، پژوهش هاى فقهى، 18، صيف 1401 ش، ص417. جلال الدِّين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج1، ص89. محمَّد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج1، ص127.

(5) الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضاg، ج1، ص93.

(1) الشيخ محمَّد صنقور، شؤون قرآنية، ج1 ص11.

(2) علي السيفي المازندراني، دروس في القواعد التَّفسيرية، ج1، ص211. السيِّد عبد الله أصفهاني، "المعايير المنهجيَّة لقاعدة الجريِّ والتَّطبيق مع تحليل مفهومي ومصداقي لكلام عليg في نهج البلاغة"، دراسات حديثة في نهج البلاغة، العدد الأوَّل، خريف وشتاء 1443 هـ، ص133.

(3) الشيخ محمَّد بن مسعود العيَّاشي، تفسير العيَّاشي، ج1، ص11.

(1) السيِّد محمَّد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج3، ص72.

(2) السيِّد عبد الله إصفهاني، "المعايير المنهجية لقاعدة الجري والتَّطبيق مع تحليل مفهومي ومصداقي لكلام عليg في نهج البلاغة، مجلة دراسات حديثة في نهج البلاغة"، دراسات حديثة في نهج البلاغة، العدد الأوَّل، خريف وشتاء 1443 هـ ، ص134.

(1) الشيخ محمَّد صنقور، شؤون قرآنية، ج1، ص12-13.

(1) المصدر نفسه، ج1، ص16.

(2) المصدر نفسه.

(3) المصدر نفسه.

(4) الشيخ محمَّد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج1، ص472.

(5) لملاحظة الأدلَّة، انظر مثلاً: علي السيفي المازندراني، دروس في القواعد التَّفسيرية، ج1، ص 214. محمَّد علي الأصفهاني، منطق تفسير القرآن، ص379.

([30]) خالد بن عثمان السبت، قواعد التَّفسير جمعاً ودراسة، ص548.

([31]) للمزيد مع الأمثلة والتَّوضيح: خالد بن عثمان السبت، قواعد التَّفسير جمعاً ودراسة، 548- 609. جلال الدِّين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ص585- 591. محمَّد علي الأصفهاني، منطق تفسير القرآن، ص243- 254.

([32]) خالد بن عبد الرَّحمن السبت، مختصر في قواعد التَّفسير، ص8.

([33]) أحمد الزغيبي، العنصريَّة اليهوديَّة، ج2، ص19.

(1) وهبة الزحيلي، التَّفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، ج1، ص190.

(2) صلاح الخالدي، الشَّخصيَّة اليهوديَّة من خلال القرآن، ص14-15.

(1) يطلق هذا الاِسم على الجزء الخاص بالحياة العملية للإنسان في الدِّيانة اليهوديَّة، والَّذي يحدِّد المحرَّمات والمحلَّلات، وما هو واجب وما هو غير واجب. انظر: رشاد الشامي، موسوعة المصطلحات الدِّينيَّة اليهوديَّة، ص106.

(1) فخر الدِّين الرازي، تفسير الرازي، ج8، ص193.

(2) محمَّد رشيد رضا، تفسير المنار، ج10، ص344.

(4) الشيخ الطَبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج3، ص378، 383. 

(1) الشيخ الطُّوسي، التِّبيان في تفسير القرآن، ج3، ص577.

(2) جلال الدِّين السيوطي، الدُّر المنثور في التَّفسير بالمأثور، ج3، ص111.

(3) عبد الرَّحمن الرازي، تفسير القرآن العظيم، ج4، ص122.

(4) عبد الله ابن عقيل، شرح ابن عقيل، ج1، ص19.

(1) أبو حيَّان الأندلسي، تفسير البحر المحيط، ج1، ص493.

(2) الشيخ محمَّد بن يعقوب، الکافي، ج9، ص495.

(1) السيِّد محمَّد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج8، ص285.

(2) المصدر نفسه، ج6، ص185.

(3) الشيخ جعفر السبحاني، مفاهيم القرآن، ج3، ص61.

(4) أبو حيَّان الأندلسي، تفسير البحر المحيط، ج3، ص538.

(5) محمَّد بن جرير الطَّبري، تفسير الطَّبري، ج10، ص466.

(1) السيِّد محمَّد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج4، ص366- 367.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا