جهادُ الكلمةِ أعظمُ جهادٍ

جهادُ الكلمةِ أعظمُ جهادٍ

بسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ..

يقسِّم الفقهاء تبعاً للرِّوايات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى ثلاثة مراتب، الإنكار بالقلب، ثمَّ الإنكار باللسان، ثمَّ الإنكار باليد، حسب ما تقتضيه الوظيفة، ورد في الحديث عن النبيe: «لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهنَّ عن المنكر، أو ليعمَّنكم عقاب الله<، ثمَّ قال: >من رأى منكم منكراً فلينكره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فحسبه أن يعلم الله من قلبه إنَّه لذلك كاره<([1]).

والأمر بالمعروف هو في الحقيقة نوعٌ من أنواعِ الجهاد الذي قد يكلِّف النَّاسَ الكثيرَ من العناء، ولهذا يتركُه الأكثرُ طلباً للرَّاحة، وابتعاداً عن المواجهة مع الآخرين أو عن كسب العداوات كما يُزعَم، فيكتفي الكثير منَّا بالإنكار القلبي فقط، مع أنَّ الإنكار القلبي لا يكفي فيه الإضمار الباطني دون إبداء الرَّفض وإظهارِه من خلال السُّلوك وملامح الوجه وما شاكل وإلا لم يسمَّ إنكاراً.

ولكنَّ الوظيفة الشرعية في الغالب أو الأغلب تقتضي الإنكار باللسان، وحينئذ لا يكفي الإنكار بالقلب، فيكون الإنسان عاصياً بترك فريضة من أهمِّ الفرائض الإلهية والتي هي من صفات المؤمنين: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}(التوبة:71).

وربما يمكن الادِّعاء بأنَّ الأنبياء والأوصياء وأتباعهم كان أكثرُ جهادهم إنَّما من خلال الكلمة واللسان، ولم يكن بالسَّيف واليد إلا في موارد قليلة، أو بعبارة أدقّ، دائرة الجهاد باللسان أوسع من دائرة الجهاد باليد والسَّيف، فإنَّ الثَّاني له شروط وموارد قد لا تنطبقُ على غالبيَّة النَّاس، أو أنَّها لا تتحقَّق إلا في بعضِ الظُّروف، وأمَّا جهاد الكلمة فإنَّ دائرتَها أوسع بكثير فهي في البيت مع الزَّوجة، والولد، والأخ، ومع الصديق، وفي العمل مع الزميل وفي المجتمع مع عامَّة الناس، فضلاً عن الحاكم الظَّالم.

تأثيرُ الجِهاد بالكلمة

وللكلمةُ تأثيرٌ عجيبٌ إيجاباً وسلباً، ولهذا اهتمَّ الشَّارع المقدَّس بذلك ووضع للسان ضوابط، فحثَّ على الكلمةِ الطَّيبة، ونهى عن الكلمةِ الخبيثة، ومن ضمن ما اهتمَّ به أنْ أوجبَ على المؤمن الجهاد بالكلمة -كما تقدَّم-، ولكي نعرف تأثير الكلمة فلنتأمَّل في النِّقاط التَّالية:

1. نلاحظ الكثير من النَّاس يتحاشون بعضَ الأفعالِ خوفاً من كلامِ النَّاس، وهذا يدلُّ على تأثيرِ الكلام في تركِ بعضِ الأشياء الحسنة أو السيِّئة.

والبعضُ الآخر يمتنعُ عن الاستماع إلى الكلام حتى لا يكون عليه حجَّة بعد أن يعرفَ الحقَّ، أو أنَّه يخشى من تأثيرِ الكلام على نفسِه مع أنَّه حقٌّ، يقول تعالى عن لسانِ نوحg: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا}(نوح:7).

2ـ يخشى الكثيرُ منَّا قولَ كلمة الحقِّ فيما إذا كان عامَّة النَّاس مبتلون بمخالفة ذلك، وسبب الخشيةِ هو كلامُ النَّاس وعدم تقبُّلهم.

بل ربَّما يخشى من الكلام مع زوجتِه أو ولدِه أو أخيه أو ابن عمِّه أو صديقه أو جاره؛ لأنَّه يخشى من زعلهم، وتغيُّرهم عليه، أو اتَّهامهم له بالتدخُّل في حياتهم، أو منعهم من التصرُّف بحريَّة، فيسكتُ راغماً.

3ـ تستعملُ الأنظمة الحاكمة والمنظمات وأصحاب الاتجاهات المختلفة أسلوب الحرب الإعلامية أو ما يسمَّى بـ(الذُّباب الإلكتروني) في مواضيع مختلفة وتبذل عليها الأموال الطَّائلة؛ لأنَّها رأت التأثير لذلك على الجوِّ العام، وعلى العقل الجمعي للنَّاس، وهذا يدلِّل على تأثيرِ الكلام والكلمة، وأنَّه كلَّما زاد عددُ المتكلِّمين في موضوعٍ معيَّن تأييداً أو رفضاً فإنَّ تأثيرَه يكونُ أكثر.

وهنا بالذَّات تأتي مسألة الواجب الكفائي في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فحينما يتكلَّم عالمٌ أو مؤمنٌ في قضية حقَّة مستنكراً أو آمراً فإنَّ صوتَه وكلمتَه قد لا تؤثِّر إلا من خلال التأييد بالعدد الكبير ممَّا يجعل الوجوب في ذمَّة الجميع حتى تحصل الكفاية وتؤثِّر الكلمة تأثيرها المطلوب.

4ـ نلاحظُ أنَّ التَّغيير لعاداتِ وسلوكياتِ النَّاس أو أفكارهم إنَّما تكونُ من خلالِ الكلمة ولو كانت بسيطة، فربَّما شخصٌ واحدٌ يفتحُ فوّهةً في جدار بكلمة تمهيداً للتغيير الكبير ولو بعد أمدٍ طويل، وهنا نلفت إلى أمرين أو حالتين:

الأمر الأوَّل: أنَّنا حينما نرى عادةً سيئةً أو منكراً متجذِّراً في المجتمع، أو معروفاً متروكاً؛ فينبغي لنا أن نتكلَّم حتى لو قطعنا بعدم التأثير الآني لهذه الكلمة، ولكنَّها بلا شكٍّ سوف تأثِّر ولو بعد حين.   

الأمر الثَّاني: حينما يبدأ العدوُّ والمنحرفُ بمحاولةِ تغييرِ الحقِّ ونشر الباطل والتَّغيير لما هو سيءٌّ أو أسوء فينبغي على المؤمنين أن لا يتركوا له الفرصة حتى لو لم يكن له تأثير آني لكلامِه، فإنَّما هو تمهيد وكسر للحاجز للتغيير المستقبلي، والنَّماذج على ذلك كثيرة.

وعليه؛ لا بدَّ للمؤمنين أنْ يكونوا هم السبَّاقين بالكلمة الحسنة، والرَّفض للباطل بالكلمة قبل الفعل، تغييراً أو حفاظاً على ما هو موجود من الحقِّ؛ فإنَّ البادئ هو الذي يفرض نفسَه ممَّا يحملنا مسؤولية البدء وعدم السماح للمغرضين بكسر الحواجز.

ولعلَّ من مصاديقِ هذه النَّقطة ما ورد في الرِّواية عن الصَّادقg: >وأمَّا الجهاد الذي هو سنَّة فكلُّ سنَّة أقامها الرَّجل وجاهد في إقامتها وبلوغها وإحيائها فالعمل والسعي فيها من أفضل الأعمال؛ لأنَّها إحياء سنة، وقد قال رسول اللهe: من سنَّ سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أنَّ ينقص من أجورهم شيء<([2])؛ فإنَّ البادئ هو المؤسِّس للخير.

ونستنتج من كلِّ ما سبق أنَّ قول كلمة الحقِّ من أعظمِ أنواعِ الجهاد في سبيل الله، وسبب ذلك أنَّ الصادح بالحقِّ وخصوصاً البادئ بقول الحقِّ عادة هو الذي يتحمَّل الضَّريبة؛ فقد يتعرَّض للهجوم والشَّتيمة والتَّسقيط والهجوم العشوائي حتى من القريبين فضلاً عن الغرباء، وفضلاً عن الأعداء والمتربِّصين وأصحاب السُّوء والمصالح، وربَّما يتعرَّض إلى السِّجن والتشريد والقتل من قِبَل من يمتلك السُّلطة والقوَّة في المعاقبة.

قول الحقِّ في النُّصوص الشريفة

ولهذا ورد في الحديث المشهور في كتب العامَّة: >أفضل الجهاد، كلمة عدل عند سلطان جائر<([3]). وفي لفظ آخر >كلمة حقّ<([4]). وفي حديث قريب منه يشير إلى علة كونه أفضل وأعظم جهاد، عنهe: >ألا، لا يمنعنَّ رجلاً مهابة الناس أن يتكلَّم بالحقِّ إذا علمه، ألا! إنَّ أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عندَ سلطانٍ جائرٍ<([5]). 

ومن طرقِنا قريب منه عن أمير المؤمنينg: >من آثرَ رضا ربٍّ قادرٍ فليتكلَّم بكلمةِ عدلٍ عندَ سلطانٍ جائر<([6]).

ويقول الإمام الكاظمg: >قل الحقَّ وإن كان فيه هلاكُك، فإنَّ فيه نجاتك،  ودع الباطلَ وإن كان فيه نجاتُك فإنَّ فيه هلاكك<([7])، ولا بدَّ هنا من ملاحظة الشروط حتى تشترط في مخالفة التقية أو الوقوع في الضَّرر في غير محلِّه.

ولمنزلة هذا العمل، وعظمه عند الله تعالى ورد في بعض الرِّوايات أنَّ المؤمن الصادح بالحقِّ من أتقى النَّاس، فعن النبيe: >أتقى النَّاس من قال الحقَّ فيما له وعليه<([8]). وأنه من أقرب الناس إلى الله تعالى، فعن الإمام الصادقg: >ثلاثةٌ هم أقرب الخلق إلى الله! يوم القيامة حتى يفرغ من الحساب: .. ورجل قال الحقَّ فيما عليه وله<([9]).

وفي بعضها التأكيد على كلمة الحقِّ ولو على الأقرباء تحذيراً من الميل الطَّبعي للإنسان نحو من يحبُّ من الناس، فعن الصَّادقg: >إنَّ للمؤمن على المؤمن سبع حقوق، فأوجبها أن يقول الرَّجل حقّاً وإن كان على نفسه أو على والديه، فلا يميل لهم عن الحق..<([10]).

والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على محمَّد وآلِه الطَّيبين الطَّاهرين..

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      رئيس التَّحرير


 


([1]) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريo، ص480.

([2]) الكافي، الكليني، ج5، ص10.

([3]) سنن ابن ماجة، ج2، ص1329.

([4]) عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور، ج1، ص432.

([5]) مسند أحمد بن حنبل، ج3، ص19.

([6]) عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص463.

([7]) الاختصاص، الشيخ المفيد، ص32.

([8]) الأمالي، الصدوق، ص72.

([9]) الأمالي، الصدوق، ص440.

([10]) تفسير القمي، ج1، ص156.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا