الملخّص:
تطرق الكاتب إلى بيان آليَّات الأمن الاجتماعيّ في القرآن الكريم، في جانب المعلومات، وجانب الأمن الشخصيّ، فقسّم جانب المعلومات إلى ناحيتين؛ ناحية استقبال المعلومات، وناحية إذاعة المعلومات.
وفي جانب الأمن الشخصيّ بيّن ما له دخالة في أمن الفرد على شخصه ونفسه في ضوء علاقاته مع الأفراد الآخرين، وبيّن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الحامي لهذه الآليات.
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيّبين الطّاهرين...
جانب المعلومات الخاصّة
نظّم القرآن الجانب المعلوماتيّ في حياة الإنسان، ووضع آلياتِ لحماية الإنسان نفسه والمجتمع الإنسانيّ بأكمله في هذا الجانب وضمان الأمن فيها، وبيّن آثار الالتزام بها وآثار عدم الالتزام بها، وأنّه لا بدّ للإنسان من الدقّة فيما يسمع وفيما يتكلم به، يقول تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}(الإسراء:36)، ويقول تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ السِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(النُّور:24)،ويقول تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(فصلت:22).
ويمكن تقسين هذه الآليّات إلى قسمين؛ الأوّل في كيفيّة استقبال الأخبار الواردة من الآخرين، وكيفيّة تقبّلها، وترتيب الآثار عليها، وفيه أربع آليّات، والقسم الثاني في إذاعة الأخبار أو كتمانها طبقاً للمصالح العامّة لا المصالح الشخصيّة، سواء كانت هذه الأخبار صحيحة أو مختلقة، وفيه خمس آليّات.
بيان ذلك: إنّ حياة الإنسان حياة عمليّة يبني فيها سلوكه طريق الحياة على ما يشاهده من الخير والشر والنافع والضارّ والرأي الذي يأخذ به فيه، ولا يتيسّر له ذلك إلّا فيما هو بمرأى منه ومشهد، وما غاب عنه ممّا تتعلّق به حياته و معاشه أكثر مما يحضره و أكثر، فاضطّر إلى تتميم ما عنده من العلم بما هو عند غيره من العلم الحاصل بالمشاهدة و النظر، و لا طريق إليه إلّا السمع و هو الخبر.
القسم الأوّل: استقبال الأخبار
الآليّة الأولى: الفحص قبل قبول الخبر ردّه
جاء الهدهد إلى النبيّ سليمانg بخبرٍ اعتبره يقينيّاً، أي أنّه صحيح وليس كذباً ولا غير دقيق، يقول تعالى: {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}(النّمل:22)،إلّا أنّه لما للخبر من أثر كبير وردّة الفعل غير السليمة يمكن أن تؤثر على أمّة كاملة لم يكتف النبي سليمانg بمخبِر واحد، بل أوكل البتّ في القضيّة وأنّها صحيحة أو غير صحيحة إلى ما بعد التثبّت من الخبر، فلم يكذّب الخبر، ولكنّه في الوقت نفسه لم يصدّقه، حتى تكون ردّة الفعل سليمة ومناسبة للمصلحة العامّة، يقول تعالى: {قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}(النّمل:27)، وهذا ما ينبغي العمل به في استقبال الأخبار فيحقق فيها قبل اتخاذ الخطوات، على الخصوص إذا كان في المسائل المصيريّة المهمّة، وذلك حفظاً لأمن المنقول عنه الخبر، وحفظاً له من اتّهامه بشيء لا دخل له فيه، بحيث يؤثّر على سمعته وكرامته أو على حياته بشكل مباشر([6]).
الآلية الثانيّة: تأكّد التبيّن في الخبر العظيم
ومع أنّ التثبّت قد يكون بخبر شخصين عادلين، حتى أنّ الإسلام يكتفي بعادلين في إثبات كثير من الحقوق الشرعيّة، إلّا أنّه إذا عظم الخبر المنقول كما في اتهام المحصنات بالفاحشة فقد اشترط أربعة شهود عدول، يقول تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(النُّور:4)، لا تختلف كلمة واحد منهم عن الآخرين، وذلك تشديد من الإسلام في حفظ كرامة الإنسان وشرفه([8])، وهذا ما يجب أن تكون سيرة متلّقي الخبر عليه، فلا يتصرّف وفقاً لخبر إلّا وهو متأكد متثبّت من صحة ذلك الخبر، وكلما عظم الخبر وعظمت ردّة الفعل المترّقبة منه لا بدّ من أن يكون التثبّت منه والدليل عليه أقوى.
الآليّة الثالثة: التعامل مع أخبار الفاسقين
ويتأكّد هذا المعنى لو كان ناقل الخبر فاسقاً، لا يُطمأن إلى أخباره، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}(الحجرات:6)، فإنّ العمل وفق عمل الفاسق غالباً ما يؤدّي إلى الندامة وإصابة الناس بالجهالة بترتيبه الأثر على خبر الفاسق، ويجرّ بذلك الوبال والمصائب على المجتمع، ويهدّد حقوق الأشخاص، ويؤدي إلى اضطراب نظام المجتمع، فلا بدَّ من تبيّن خبر الفاسق بالبحث والفحص([10]).
الآليّة الرابعة: الانقياد للعلم
ينبغي للإنسان أن يلتزم بالدقّة في تحصيل ما يعلمه من الأخبار، فلا ينجّر وراء الأخبار غير الصحيحة من الشائعات وغيرها، ولا يعتمد ما دون العلم من القول، يقول تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}(الإسراء:36)، فإنّ على الإنسان مسؤوليّة وهي فيما يسمع من كلام فهل هو صحيح أو هو مشكوك غير موثّق؟ وهو مسؤول عمّا يكون آلة لتحصيل الأخبار، ولو أنَّ الإنسان طبّق هذه التعاليم بشكل دقيق لاجتث بذلك الفساد من الأحكام المتسرّعة والظنون والأكاذيب، ورفع حالة الفوضى والشكّ والريبة التي كانت ستضرب العلاقات الاجتماعيّة لو لم يدققوا فيما يستقبلون من أخبار([12])، حتى أنّه قد ورد عن رسول اللهe: «يَا أَبَا ذَرٍّ ،كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِباً أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَهُ»([13])، وسيأتي مزيد كلام في الكذب والشائعات.
وإنّ اعتماد ما دون العلم يؤدي إلى آثار سلبيّة كثيرة، منه:
* إعطاء الحقّ لغير صاحبه.
* يعرّض كرامة الإنسان إلى الخطر.
* انتشار الشائعات.
* القضاء على ملاكات الدقّة والبحث والتحقيق.
* اهتزاز العلائق الوديّة الاجتماعيّة.
* الندامة والفشل([14]).
القسم الثاني: إذاعة الأخبار
وبعد أن أدخل الإنسان ما وصله من أخبار ولم يعتمد منها إلّا الصحيح، ولم يقبل منها ما دون العلم، فلا بدّ من ألّا تقلّ الدّقّة فيما يخرج عنه من أخبار عمّا يدخل عليه، فيعلم ماذا يذيع، وماذا يكتم، يقول تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(ق:18)، فإنّ جملة أو كلمة واحدة يمكن تغيّر مسير مجتمع كامل نحو الخير أو الشرّ([16])، روي عن أبي جعفرg: «إِنَّ العَبْدَ يُحْشَرُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَمَا يُدْمِي دَماً فَيُدْفَعُ إِلَيْهِ شِبْهُ المِحْجَمَةِ أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ. فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا سَهْمُكَ مِنْ دَمِ فُلاَنٍ. فَيَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّكَ قَبَضْتَنِي وَمَا سَفَكْتُ دَماً. قَالَ: بَلَى، سَمِعْتَ مِنْ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ كَذَا وَكَذَا فَرَوَيْتَهَا عَنْهُ فَنُقِلَتْ عَنْهُ حَتَّى صَارَ إِلَى فُلاَنٍ الجَبَّارِ فَقَتَلَهُ عَلَيْهَا، فَهَذَا سَهْمُكَ مِنْ دَمِهِ»([17])، فلا بدّ من التحرّز في كيفيّة نشر الأخبار، وذلك لضمان الأمن في العلاقات بين الناس، فيأمن الإنسان على نفسه ومعلوماته الشخصيّة في تعاملاته مع الآخرين.
وما يخرج عن الإنسان من قول وخبر على نحوَين؛ كذب وحقيقة، ومع وضوح حرمة الكذب وما يتفرّع عنه، فإنّ إذاعة الحقيقة قد تكون حراماً كذلك، كما في الغِيبة وإفشاء الأسرار، وإشاعة الفواحش، وحتى ما لم يصل إلى الحرمة فلا ينبغي إذاعة كلّ ما يعلم، روي عن أمير المؤمنينg: «لاَ تَقُلْ بِمَا لاَ تَعْلَمُ، بَلْ لاَ تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَمُ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ»([18]).
وهنا خمس آليّات بيّنها القرآن لضمان التعامل الصحيح مع الأخبار، وكيفيّة نشرها:
الآليّة الأول: تحريم الغِيبة
تقوم حياة الإنسان وسط المجتمع الإنسانيّ على هويّته ومنزلته الاجتماعيّة، وغِيبة الإنسان تهاجم هذه المنزلة وتسقطها، فإذا تكاثرت الغِيبة تساقطت الهويّات والمنازل الاجتماعيّة لدى أفراد المجتمع، فإذا كان ذلك اهتزت العلاقات الاجتماعيّة، وتفكك المجتمع الإنسانيّ، وشاع سوء الظنّ والنظرة السلبيّة، نُثرت فيه بذور الحقد والعداوة، ولم يأمن الإنسان على كرامته وحياته، وكلّ ذلك لما للكلمة من أثر كبير.
وكلّ ما يؤدي إلى تهديد أواصر العلاقات الاجتماعيّة منبوذ في الإسلام والقران، حتى مثّل القرآن المغتاب بمن يأكل لحم أخيه([19])، يقول تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ}(الحجرات:12)، ومثّل من تصيبه الغيبة بالميّت فإنّه لا حول له ولا قوّة، ولا يستطيع الدفاع عن نفسه حال الغيبة، والغيبة كالجرب الذي يأكل في اللحم، روي عن رسول اللهe: «الغِيبَةُ أَسْرَعُ فِي دِينِ اَلرَّجُلِ المُسْلِمِ مِنَ الأَكِلَةِ فِي جَوْفِهِ»([21])، إنّ هذه الأمثال والتأكيدات تدلّ على الأهمّيّة القصوى التي يوليها الإسلام لصون كرامة المسلم وهوىّته الاجتماعيّة، ويدلّ على الأثر المخرّب للغيبة على مستوى الفرد والمجتمع.
جواز الغِيبة لرفع الظلم:
ولأنّ الإسلام يحفظ حقوق جميع أفراد المجتمع، أذن لمن ظُلم في إبداء ما ظلم به، يقول تعالى: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً}(النّساء: 148)، فله التصريح في العلن بخصوص ما فعل به الظالم، ولا يجوز له التشهير بكلّ أفعال الظالم، وهذا الاستثناء يسلب من الظالمين أن يستفيدوا من حكم الغِيبة فيظلمون الناس سرّاً بتوهّم أنّه لا يجوز للمظلوم أن يصرّح بما ناله من الظلم، ويشّجع المظلوم على ألّا يسكت عن المطالبة بحقّه من الظالم([23]).
ومع أنّ للمظلوم حقّ إلّا أنّ القرآن بيّن سموّ الأخلاق وتهذيب النفس وتوحيد صفوف المجتمع الإسلاميّ في هذه المسألة، فحثّ على عدم الغِيبة حتى في هذه الحالة، بل حثّ على العفو الظالم، فإنّ الله يجازي العفو بالعفو، وهو العفوّ القدير([24])، يقول تعالى: {إِن تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً}(النّساء: 149).
الآليّة الثانية: تحريم النميمة
وقد ترتبط الغِيبة وقول السوء بالنميمة، والرغبة في إيجاد الفساد والفرقة، وإيجاد الخصومة والعداء بين الإخوان وأفراد المجتمع الواحد، فيتلذذون بهزّ العلاقات الاجتماعيّة، مما يضاعف آثار الغيبة، ولعظم ما يطلبون حذّر القرآن من هذه الخصلة ومن إطاعة من يتحلى بها، وأن يكون الناس على حذر منهما، ويراقبوا أنفسهم بدقّة من التلوث بهتين الخصلتَين أو بآثارهما، يقول تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ}(القلم: 10-11)، وقد وردت صفتي الهمّاز (المغتاب) والنميم (من ينقل الحديث ابتغاء الفتنة) بصيغة المبالغة، وهو ما يحكي عن إصرار في هذا العمل القبيح من جهة، وعن عظم آثار هذا العمل القبيح([27])، وقد روي عن رسول اللهe أنّه قال لأصحابه: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَشْرَارِكُمْ» قالوا بلى يا رسول الله «المَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ الْبَاغُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَيْبَ»([28]).
الآليّة الثالثة: تحريم إفشاء السر
وقد ترتبط كلّ من الغيبة والنميمة بإفشاء الأسرار، وحفظ الأسرار والمحافظة عليها من صفات المؤمنين، وتزيد أهمّيّتها كلّما زاد قرب العلاقة بين الطرفين، من أصدقاء وأقرباء وأزواج، وفي إفشاء الأسرار مساوئ على الفرد؛ فتنشر ما لا يريد انتشاره، وعلى المجتمع؛ فلا يأمن فيه الإنسان على أسراره، فيعود أفراد المجتمع متفرّقين يخاف كلّ واحد منهم الانفتاح على الآخر فتفشى أسراره، وقد لام القرآن أزواج النبيّe عندما أفشتا سرّه، وإن لم يكن هذا السرّ خطيراً، يقل تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ}(التحريم: 3-4)، فأمر القرآن أزواج النبيّeبالتوبة، وهذا ينبئ عن عظم إفشاء السرّ([30])، وروي عن أمير المؤمنينg أنّ قال: «جُمِعَ خَيْرُ اَلدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فِي كِتْمَانِ اَلسِّرِّ وَمُصَادَقَةِ الأَخْيَارِ وَجُمِعَ اَلشَّرُّ فِي الإِذَاعَةِ وَمُؤَاخَاةِ الأَشْرَارِ»([31]).
الآليّة الرابعة: تحريم الكذب
ولأنّ المغرضين لا يرضون إلّا بالوصول إلى ما تريده أنفسهم الدنيئة وشهواتهم الشيطانيّة من زعزعة الأمن وهزّ العلاقات الاجتماعيّة وتفريق أفراد المجتمع عن بعضهم، فإنّهم لا يكتفون بنشر الوقائع بما يناسب شهواتهم، بل يختلقون ويخترعون من عندهم وينشرونه ويوهمون الناس أنّه من الحقّ، إمعاناً في التفرقة بين المؤمنين.
والكذب لا يجتمع مع الإيمان، يقول تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ}(النّحل: 105)، وروي عن الإمام الرضاg أنّه قال: «سُئِلَ رَسُولُ اللهe يَكُونُ المُؤْمِنُ جَبَاناً؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: وَيَكُونُ بَخِيلاً؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: وَيَكُونُ كَذَّاباً؟ قَالَ: لَا»، وذلك أنّ الكذب منشأ الذنوب، فإنّ من يذنب لا يستطيع الصدق، لأنّ الصدق يكون فضيحة له، على الخصوص إذا كان يتوسل بالكذب للوصول إلى مصالحه الشخصيّة([33])، روي عن أبي جعفرg أنّ قال: «إِنَّ اَللهَ a جَعَلَ لِلشَّرِّ أَقْفَالاً وَجَعَلَ مَفَاتِيحَ تِلْكَ الأَقْفَالِ اَلشَّرَابَ وَالكَذِبُ شَرٌّ مِنَ اَلشَّرَابِ»([34])، وروي عن الإمام العسكريّg أنّه قال: «جُعِلَتِ الخَبَائِثُ كُلُّهَا فِي بَيْتٍ وَجُعِلَ مِفْتَاحُهَا الكَذِبَ»([35]).
بل إنّ الكذب منشأ النفاق، فإن الكاذب لا يتطابق ما في قلبه مع ما في لسانه، يقول تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}(التّوبة: 77)،والنفاق الاجتماعيّ صفة ذميمة توجب ارتفاع الثقة والاطمئنان، وهما من أقوى وأهمّ ما يربط بين أفراد المجتمع، فإذا سادت هذه الصفة تفرّق المجتمع، وتنفر أفراده من أصحاب هذه الصفة وخافوا من لقائهم، لما يخفون من بغض، وإن أظهروا الحبّ والودّ([37]).
وقد تتحقّق آثار الكذب بما لا يكون كذباً صريحاً، بمعنى أن من يقوله لا يقطع بمخالفته للواقع، ولكنّ فيه شيئاً من الكذب، وهي آثاره، كالقول بالظنّ، والإشاعة من دون التثبّت، أو هو من أنحاء الكذب، ولكن يُراد منه شيء وراءه، كتحميل أحد ما ليس فيه من الذنوب، كما في البهتان والاتهام، والقذف.
١. القول بالظنّ:
ولا يقلّ القول بما دون العلم والتخمين والظنّ سوءاً عن الكذب، حتى أنّ القرآن دعا على الخرّاصين -الذين يخوضون فيما لا يعلمون- بالقتل واللعن والمحروميّة من رحمة اللهa، لما هم فيه من الجهالة التي أحاطت بهم عن الحقيقة كما يغمر الماء الساتر ما تحته، فيطلقون الكلمات العارية عن الصحة والتي لا أساس لها، فابتدأوا بالسهو ولم يتوقفوا حتى انتهوا إلى أن غرقوا في الجهل تماماً([38]).
٢. الإشاعة:
إنّ التساهل في تلقّي الأخبار وتناقلها من دون التثبّت منها يؤدي إلى انتشار الشائعات بين المؤمنين، ومن هنا يوجّه القرآن اللوم لمن يتناقل الشائعات، يقول تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِالسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ}(النُّور: 15)، فإنّهم قد استسهلوا ما وصل إليهم مع عظمه، ونشروه فيما بينهم، فكان الأولى لهم أن يُميتوا ذكر ما يُتناقل من دون دليل، بدل أن يكون فاكهة مجالسهم، حتى أصبحوا آلة بيد من يخترع الشائعات([40]).
وتارة يكون نشر الأحاديث يتعلَّق بأمن المجتمع، فإذا وصل خبر فيه شمّة شرّ على المجتمع أذاعه الذين يخافون على أنفسهم، وذلك ليخوّفوا غيرهم، فلا يكونون هم الوحيدون الخائفون الجالسون في بيوتهم، يقول تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً}(النّساء: 83)، فلو ردّوه إلى القادة لكان أولى لهم، فالقادة مطلّعون عادة على خبايا الأمور، ويعرفون كيف ومتى يتحركون، بدل أن يوجد الخوف والخلاف بين المؤمنين بنشر الشائعات من غير تدبّر وتبصّر، فتوهن عزيمة المؤمنين([42]).
إنّ انتشار الشائعات يؤدي إلى انتشار وسيطرة القلق والاضطراب وانعدام الثقة، والشائعات من أقوى أسلحة الحرب النفسيّة على الأفراد أنفسهم وعلى علاقاتهم الاجتماعيّة، ومن خبث الشائعات أنّها إذا أطلقت فقد وصل ضررها، سواء رُدّت أم لا، فإن ردّها المؤمن حفظاً لحقّه وكرامته قيل: إنّه لو لم تكن فيه لم يردّها، أو إنّ ردّه ضعيف، وإن ترّفع المؤمن ولم يردّها قيل: لو لم تكن فيه لردّها، ولذا لا بدّ من تحذير المجتمع وأفراده من مغبّة الوقوع في براثن الشائعات([43]).
٣. البهتان والاتهام:
ومن الشائعات ما يكون فيه اتهام للمؤمنين، وبهتان لهم، ورمي لهم بما لم يفعلوا، ومن فعل ذلك فقد وقع في خطيئة وإثم كبير الذي لا شكّ فيه ولا خفاء، يقول تعالى: {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً}(النّساء: 112)، فإنّه يشتمل على عدّة صفات ذميمة من الكذب والافتراء والظلم، ويؤدي فعله إلى غياب الثقة بين أفراد المجتمع وهدم الاعتماد بينهم، بل وإشاعة الفحشاء بينهم، ومن هنا كان البهتان معصية كبيرة توجب العذاب.
فإنّ الاتهام والبهتان كالإشاعة يهدم كرامة المتّهم به، وهو بمثابة السهم الذي يهدر سمعته وحياته الاجتماعيّة([45])، روي عن النبيّ محمّدe أنّ قال: «مَنْ بَهَتَ مُؤْمِناً أَوْ مُؤْمِنَةً أَوْ قَالَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ أَقَامَهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى تَلٍّ مِنْ نَارٍ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَهُ فِيهِ»([46])، وروي عن أمير المؤمنينg أنّه قال: «البُهْتَانُ عَلَى البَرِيءِ أَعْظَمُ مِنَ اَلسَّمَاءِ»([47])، وعن أبي عبداللهg أنّه قال: «إِذَا اِتَّهَمَ المُؤْمِنُ أَخَاهُ اِنْمَاثَ الإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ كَمَا يَنْمَاثُ المِلْحُ فِي المَاءِ»([48])، فالتهمة والبهتان كذب وغيبة وإشاعة، وظلم وجور، ولذا كانت عاقبتها بهذا العِظم([49])، وعقوبة البهتان نوعٌ من المنع من استغلال أحكام الله تعالى في الزاني والزانيّة وغيرهما، فلا يستطيع أيّ أحد أن يدّعي على المؤمن، فلا بدَّ من الشهود، وإلّا عادت التهمة عليه واستحقَّ العقوبة هو، فلا يستطيعون بذلك التلاعب بسمعة المؤمنين وتلويث شرفهم([50]).
٤. القذف:
وقد يكون الاتهام من دون دليل في عرض المؤمنين، وهو القذف، يقول تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(النّور: 4)، ويقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(النّور: 23)، وهذا الموضوع من الأهمّيّة في الإسلام أنّه تتعدَّد الدعوى بتعدُّد القذف ولو في مجلس واحد، أو لو تقدَّم بالدعوى المقذوفون -في جملة واحدة- متفرّقين، بل لو مات المقذوف فلورثته الحقّ في المطالبة بإقامة الحدِّ على من قذف مورِّثهم، وهذا الحقّ وإن كان للمتهم إسقاطه، إلّا أنّه لو تكرَّر القذف من شخص معيّن بحيث يعرّض المجتمع كافّة إلى الخطر فإنَّ عقابه يكون بغضّ النظر تنازل المتهم عن حقّه، بل لو تسابّ شخصان وتقاذفا فللحاكم أن يعزّرهما.
وهذه الأحكام الإسلاميّة ترمي إلى المحافظة على سمعة الناس وشرفهم، وكرامة المجتمع بشكل عامّ، وإلى الحيلولة دون انتشار المفاسد والفواحش الأخلاقيّة والاجتماعيّة([53]).
الآليّة الخامسة: تحريم إشاعة الفاحشة
إنّ تناقل الأخبار التي تتكلَّم عن السيئات والفواحش -سواء كانت حقيقةً أم كذباً- يؤدي إلى شياعها بين الناس الطاهرين، وتؤثِّر على أنفسهم وتلوثها، حتى تناوله القرآن أكثر من مرّة، يقول تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(النّور: 16-17)، ويقول تعالى في نصّ أوضح: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(النُّور: 19)، فتوعّد القرآن مَن يشيع الفاحشة بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، بل قد توعّد مَن يحبّ أن تشيع الفاحشة، وإن لم يتحرك في إشاعتها، روي عن أبي عبداللهg أنّه قال: «مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا رَأَتْهُ عَيْنَاهُ وَسَمِعَتْهُ أُذُنَاهُ فَهُوَ مِنَ اَلَّذِينَ قَالَ الله a {إِنَّ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفٰاحِشَةُ فِي اَلَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ}»([56])، وعدّ القرآن الإيمان من موانع إشاعة الفاحشة {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، فالمؤمن لا يحبّ الذنوب، ولو ارتكبها عند ضعفه فلا يحبّ شياعها بين الناس.
وهذا الاهتمام من القرآن هو للحيلولة دون انتشار الذنوب في المجتمع، وتصاغرها في عين أفراده، ولو من حيث توّهم انتشارها([57]).
جانب أمن الفرد الشخصيّ والنفسيّ
إنّ من التعاملات الاجتماعيّة ما يؤثر على شخصيّة الفرد ونفسيّته، فيهزّ كيانه، ويزلزل استقراره، وقد بيّن القرآن بعض الآليّات التي تضمن حفظ الأمن الشخصيّ للفرد، وهنا أحد عشر آليّة:
الآليّة الأولى: منع الجدال والمراء
حثّ القرآن على البحث العلميّ والنقاش الاستدلاليّ والموضوعيّ لإحقاق الحقّ وإرشاد الجاهل، يقول تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}(النّحل: 125)، ويقول تعالى: {لَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}(هود: 74).
إلّا أنّ الجدال إذا تعدى حدّه قد يصل إلى المراء والتوسّل بالسفسطة الكلاميّة والحجّة الواهية بهدف التفاخر واستعراض القوّة أو لإبطال الحقّ وغواية الناس، بل قد يصل إلى حدّ السخريّة والاستهزاء والإنكار والافتراء من دون دليل([60])، يقول تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ}(الحجّ: 3)، ويقول تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ}(الحجّ: 8)، فـ"من لا يتبع العلم و المعرفة، فمن الطبيعيّ أنّه يتبع كلّ شيطانٍ طاغٍ عنيدٍ"([63]).
وللجدال والمراء سلبيّات اجتماعيّة عديدة، من قبيل التعصّب والعناد والتوسّل بالكذب والتهمة، ممّا يولّد الحقد واحتقان الصدور، ومن هنا نهت الأحاديث عن الجدال والمراء، فقد روي عن أمير المؤمنينg: «مَنْ ضَنَّ بِعِرْضِهِ فَلْيَدَعِ المِرَاءَ»([64])، فإنّ المراء عادة ما يصل إلى التهمة والبهتان وعدم الاحترام والتفتيش في خبايا المرء طلباً للانتصار الفارغ من معناه، فتُشحن القلوب وينبت النفاق بين الإخوان، فعن أمير المؤمنينg أيضاً أنّه قال: «إِيَّاكُمْ وَالمِرَاءَ وَالخُصُومَةَ فَإِنَّهُمَا يُمْرِضَانِ القُلُوبَ عَلَى الإِخْوَانِ وَيَنْبُتُ عَلَيْهِمَا اَلنِّفَاقُ»([65])، ويؤدّي الجدال والمراء كذلك إلى أن تأخذ المجادل الحميّة فيتمسك بأخطائه ويصرّ على انحرافاته([66]).
الآليّة الثانيّة: تحريم التجسّس
تقدّم في بحث أسس الأمن الاجتماعيّ في القرآن النهي عن سوء الظنّ، وقد عبرّت الآيات بأنّ بعضه أثم، وما ذلك إلّا لما يستتبعه من صفات ذميمة محرّمة ومنها التجسّس، ولذا كان النهي عن التجسس من آليات القرآن في تثبيت الأمن الاجتماعيّ، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا...}(الحجرات: 12)، فيكشف التجسس أسرار الناس وما خفي من أمورهم، توّهماً أنّه يريد كشف سوئه وإصلاحه، والإسلام لا يبيح كشف الأسرار -كما تقدّم-، بل يريد للإنسان أن يكون آمنَا في حياته الخاصّة، والتجسّس يكشف الستر عن حياة الإنسان الخاصّة، ويعيش الإنسان فيه حياة قلقة متمزقة لا استقرار فيها([68])، حتى اقترن التجسّس والغِيبة، وكانا واحداً في أنّهما أكل للحم الأخ ميتاً([69])، يقول تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ}(الحجرات: 12).
الآليّة الثالثة: تحريم السخريّة واللمز والتنابز بالألقاب
إنّ من أهمّ الموارد التي يكثر فيها النزاع والمخاصمة بين الناس هي السخرية والتنابز بالألقاب، وقد تعرّض القرآن لهذه الحالة بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْالقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(الحجرات: 11)، فوجّه القرآن الخطاب لكافّة المؤمنين من الرجال والنساء، وأنذرهم بأن يجتنبوا السخريّة واللمز والتنابز بالألقاب، فيسخر من غيره والحال أنّه قد يكون أفضل منه، ويتتبع عيوب الآخرين ويطعنهم بها، سواء كانوا حاضرين أو غائبين، وهذه الصفات إنّما تصدر من إحساس المتصف بها بالاستعلاء والغرور، والانتساب إلى القبيلة الفلانيّة، والبلد الفلانيّ أو العرق الفلانيّ، ولكن المعيار الواقعي عند اللهa هو التقوى.
وقد عبّر القرآن بتعبير يبيّن أنَّ المؤمنين نسيج واحد {وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} لا ينبغي تفكيكه بهذه الصفات الذميمة، ولهاذا نهى القران عن هذه الصفات حفاظً على هويّة الفرد الاجتماعيّة، وعلى نسيج المجتمع([72])، فإذا لم يرتدع عن هذه الصفات فقد هدده القرآن بالويل والخزي والهوان([73])، يقول تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}(الهمزة: 1).
الآليّة الرابعة: إفشاء السلام
لا يخلو مجتمع من المجتمعات عن تحيّة يتداولها أفراد المجتمع عن تلاقيهم، وتختلف هذه التحيّة من مجتمع إلى آخر، من الإشارة بالرأس، أو اليد أو رفع القبعة أو حتّى البصق في اليد، وغيرها من التحايا، وكثير من هذه التحايا تحكي عن نوع من خضوع وتذلل الداني للعالي والوضيع للشريف، من قبيل الانحناء وطأطأة الرأس مثلاً، ولكنّ الإسلام ساوى بين الطبقات وحارب التحايا التي تُنبئ عن الفارق والطبقيّة، فأمر بإفشاء السلام، وهو نحو أمن للمسلَّم عليه من التعدّي عليه، فإذا آمن الإنسان على نفسه وعرضه وماله واطمأنّ عليها كان ذلك طريقاً للتعاون والوحدة الاجتماعيّة([75])، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(النّور: 27)، ويقول تعالى: {.. فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ}(النّور: 61)، ويقول تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(الأنعام: 54).
وحثّ القرآن على ردّ التحية بأحسن منها أو بما يساويها على الأقلّ، يقول تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً}(النّساء: 86)، ونِعم ما نُقل عن أنس أنّه قال: كنت عند الحسين(عليه السلام) دخلت عليه جارية بيدها طاقة ريحان فحيّته بها، فقال لها: «أَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ الله تَعَالَى». فقلت: تحييك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها؟! فقال: «كَذَا أَدَّبَنَا اَللهُ تَعَالَى، قَالَ: {وَإِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا} فَكَانَ أَحْسَنَ مِنْهَا عِتْقُهَا»([80])، واستدلال الإمامg بالآية يدلّ على أنّ كلّ أنواع الودّ والمحبّة -بالقول أو الفعل- من التحيّة الممدوحة في القرآن، وهي مما يحسبه اللهa عنده. وقد روي عن أبي جعفرg: «إِنَّ الله يُحِبُّ إِطْعَامَ اَلطَّعَامِ وَإِفْشَاءَ اَلسَّلاَمِ»([81])، وروي عن أمير المؤمنينg: «سُنَّةُ الأَخْيَارِ لِينُ الكَلاَمِ وَإِفْشَاءُ اَلسَّلاَمِ»([82])، وذلك لما في إفشاء تحية السلام من إفشاء للسلام العمليّ بين أفراد المجتمع([83]).
يقول أحدُ السادة الأصدقاء من إحدى دول شمال أفريقيا إنّهم استيقظوا صباح أحد الأيام على فاجعة في محلّتهم؛ إذ وجدوا رأس إنسانٍ مقتولٍ معلَّقاً على عمودٍ في القرية، فانتشرت بينهم تحيّة السلام لمدّة مديدة، خوفاً من أن يكون مصيرهم مصير صاحب ذلك الرأس، وذلك يبيّن جانباً من جوانب أهمّيّة إفشاء السلام والمودّة والمحبّة بين الناس.
الآليّة الخامسة: العفو والصفح
العفو يكون في الأفعال والأخلاق، ويكون في ما زاد عن الحاجة من الأموال كذلك، وقد حثّ القرآن المؤمنين على العفو في مواضع كثيرة في مورد الأخلاق والأفعال، وفي مورد الأموال، فيتنازل عن غريمه، ولا يقتصّ منه، ويعفو عن زلّاته، ولم يلزم القرآن المؤمنين بذلك لئلا يكون العفو أمراً متكلّفاً من العبد، بل يكون عن طيب نفسه([84])، وليؤثر الأثر المرجوّ منه، ويؤلّف بين القلوب، ويكون بذلك مستحقّاً لوعد اللهa ([85])، يقول تعالى: {.. فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ}(الشّورى: 40)، وقد يُتوهم أنّ من عفا قد فقدَ حقَّه، إلّا أنّه بسبب عفوه، العفو الذي يعتبر أساس انسجام المجتمع و التطهّر من الأحقاد و زيادة أواصر الحبّ و زوال ظاهرة الانتقام و الاستقرار الاجتماعيّ، فقد تعهّد الخالق بأن يعطيه من فضله الواسع، و يا لها من عبارة لطيفة {عَلَى اللَّهِ} حيث إنّ الخالق يعتبر نفسه مديناً لمثل هؤلاء الأشخاص و يقول بأنّ أجرهم عليّ([87]).
والعفو على ثلاث مراتب، كلّ واحدة منها أرقى من سابقتها؛ كظم الغيظ، والتجاوز، والإحسان، وهو تدرّج عظيم من صفة إنسانيّة جليل إلى صفة أعلى وأرقى منها، وهو قمة الخلق، وذروة الكمال المعنويّ، حتى كانت هذه الصفات من صفات المتقّين([88])، يقول تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(آل عمران: 133-134).
فيمسك شدّة غضبه ويسيطر على هيجان نفسه، حتى لو امتلئ غضباً، فلا ينتقم لما حصل له، فيكبح حالة من الجنون التي تعتري البعض عندما يغضب ولا يسيطر على غضبه فيفقد السيطرة على أعصابه، وتصرّفاته، حتى يصل إلى مرحلة يرتكب فيها أشدّ الجرائم التي لم يكن حتّى ليفكر فيها في حالة سكونه([90])، وقد روي عن أمير المؤمنينg الحثّ على كظم الغيض وتجرّع مرارته: «وَتَجَرَّعِ الْغَيْظَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةً وَلاَ أَلَذَّ مَغَبَّةً»([91]).
والمرتبة الثانية بعد كظم الغيظ أن يتجاوز عن الذنب، ويترك العقاب عليه، وهو نوع من ضبط النفس أعلى من المرتبة الأولى، فكثير يكتمون غيظهم دون أن يتجاوزوا، تخلّصاً من المشاكل، أو للصالح الخاصّ، خصوصاً إذا كانوا في موقف الضعيف، فلا تُقلع جذور العداء، بل تتجذر في قلوب الناس([92]).
ثمّ يصل المؤمن والمتّقي إلى مرتبة عليا من العفو والكمال المعنويّ، حتّى خصّها الله تعالى بالحبّ في الآية {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، فيحسن إلى المذنب والمقصّر، وذلك سعياً إلى قلع جذور العداء والبغضاء، فتنتشر المحبّة والودّ، بل ويمنع من تكرار الذنب والإساءة في المستقبل. والإحسان يتحقَّق ولو بكلمة أو فعل بسيط([93])، ومن أسمى ما نقل في كظم الغيظ والتجاوز والإحسان ما روي من أنّه جعلتْ جارية لعليّ بن الحسين(عليه السلام) تسكب الماء عليه وهو يتوضّأ للصلاة، فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجّه، فرفع عليّ بن الحسينg رأسه ينظر إليها، فقالت الجارية: إنّ اللهa يقول: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ}. فقال لها: «لَهَا قَدْ كَظَمْتُ غَيْظِي». قالت: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}. قال: «قَدْ عَفَى الله عَنْكِ». قالت: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. قال: «اِذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ»([94]).
الآليّة السادسة: الإصلاح والتأليف بين القلوب
وضع القرآن ما يمكن أن يعتبر قانوناً كليّاً يصلح لكلّ زمان ومكان، وهو الإصلاح بين المتخاصمين والمتنازعين، يقول تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَۖ}(الحجرات: 9-10)، والسعي للإصلاح لا يتوقّف على حدوث التخاصم والنزاع الفعليَين، بل يكفي توفّر مقدمات النزاع، من مشاجرات لفظيّة، أو نظرات شزرٍ، قبل أن يصل الأمر إلى النزاعات والمخاصمات والاقتتال، فلا يكون المؤمنين متفرّجين غير مكترثين. والإصلاح بين المؤمنين لا يكون على حساب أحد الأطراف، فإنّه إذا بغى أحد الأطراف على الآخر فعليه ما فعل، وإن كان المراد الأوّل هو الإصلاح، ولكن لا يعفى عمّا فعل طرف من الأطراف ما لم يعفُ عنه الطرف الآخر، فالإصلاح مشروط بالعدل([96]).
وما ذلك إلّا لأنّ المؤمنين كالإخوة، ولا بدّ من الإصلاح بين الأخوَين، والحفاظ على العلاقة الوديّة بينهما، فكما يسعى المؤمن للإصلاح بين الأخوي، فكذلك يسعى للإصلاح بين عموم المؤمنين([97]).
الآليّة السابعة: الوحدة بين الناس
حثّ القرآن على الوحدة وعدم التفرّق انطلاقاً من الوحدة الدِّينيّة الإسلاميّة، فعلى المسلمين جميعاً مراعاة هذه الرابطة الدِّينيّة التي هي أقوى من الروابط الاجتماعيّة والنَسبيّة([98])، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ...}(آل عمران: 102-103).
والوحدة من الأمور الاجتماعيّة التي لا يمكن أن تتحقق ويُنال أثرها المطلوب إلّا بتكاتف جميع أفراد المجتمع، فإذا تحققّت كان أثرها واسعاً بحيث يؤثّر على العلاقات الاجتماعيّة لجميع أفراد المجتمع، فإنّ الوحدة بمثابة سلاح من أسلحة المجتمع، ولولا الوحدة لكان أفراد المجتمع متفرّقون وإن كانوا كثيرين عدداً([100])، يقول تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ}(الحشر: 14).
الآليّة الثامنة: سنّ الأحكام الجزائيّة
وضع القرآن حلولاً متنوّعة لحلّ المشاكل الاجتماعيّة والحفاظ على سعادتها واستقرارها، ولعدم تجاوز الأحكام الإسلاميّة، من التربيّة والأخلاق، والترغيب بالثواب الدنيويّ والأخرويّ، والتهديد بالعقاب الأخرويّ، إلّا أنّه توجد مجموعات في كثير من المجتمعات متمرّدة خارجة عن القانون، لا تنفع فيهم الطرق التي وفّرها القرآن، فكان لا بدّ من مقابلة هذه المجموعات بحلّ صارم يضمن العمل بالأحكام الإسلاميّة، ويزيل خطرها على المجتمع وأفراده، ويوقف تماديها ومخالفاته في القانون، ويردع غيرهم ممَّن تسوّل له نفسه في تجاوز الأحكام الإسلاميّة، ومن جهة أخرى يفرض هذا الحلّ الصارم الأمن الاجتماعيّ بين أفراد المجتمع، ويطمئنهم على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، ولذلك كانت الأحكام الجزائيّة الإسلاميّة أحكام جزائيّة ووقائيّة في الوقت نفسه.
ويتمثّل هذا الردّ الصارم في العقوبات الإسلاميّة الدنيويّة الرَّادعة عند المعصية أو تجددّها، والتي تحمل الناس على العمل بوظائفهم، من قصاص ودياتٍ وحدود وكفّارات، وتعزيرات يقدّرها الحاكم الشرعيّ في الموارد التي لم يرد فيها النصّ، وذلك لحفظ العلاقات الاجتماعيّة في مختلف الأزمنة، وذلك لتجدُّد الذنوب وتغيرّها من زمن إلى آخر، فلذلك كان لا بدّ من أحكام تواكب هذا الانحدار لتقوّم المجتمع.
وهذه العقوبات تتميّز -بالإضافة إلى ما تقدّم من انسجامها مع تغيّرات المجتمعات البشريّة- أنّها في وقت ما هي شديدة وصارمة، فهي تعكس الهدف الأصليّ منها، وهو تحقيق الأغراض التربويّة وتقليل الخسائر الاجتماعيّة بالقدر المستطاع، فلذلك هي دقيقة في تطبيقها، ولا تثبت إلّا بالبيّنة، وتعطي كلّ ذي حقّ حقّه، وتوفّر للمتجاوز فرصة للتوبة وإصلاح نفسه -ما لم تقم البيّنة عليه-([102]).
ولكم في القصاص حياة:
ومن أبلغ ما قيل في فلسفة الأحكام الجزائيّة الإسلاميّة قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْالبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة: 179)، فإنّها تضع الإطار العامّ للقصاص في الإسلام، وبها يتبيّن أنّ القصاص والأحكام الجزائيّة الإسلاميّة ليست انتقاماً وإنّما هي حائط صدّ وضمان لأمن الناس والمجتمعات من بطش القتلة والمتجاوزين والخارجين عن القانون، بل هي حياة لمن تسوّل له نفسه ارتكاب التجاوزات، فإنّه إذا ارتدع خوفاً من القصاص فقد صان حياته وحافظ عليها([104]).
الآليّة التاسعة: الوفاء بالعهد
العهد يكون تارة بين العبد وربّه، كاليمين والنذر والتعهد بالالتزام واجب أو مستحب أو الابتعاد عن المحرّم والمكروه، وله شروطه وأحكامه، وقد ذكرت في الكتب الفقهيّة، ويكون تارة أخرى بين الفرد والفرد الآخر في المعاملات التجاريّة، والمعاملات الاجتماعيّة والإنسانيّة([105]).
وقد حثَّ القرآن على الوفاء بالعهد، وإنّ الإنسان يُسأل من الله(عزّ وجلّ) عمَّا تعهد به، يقول تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً}(الإسراء: 34)، فالقرآن يريد للإنسان أن يحترم كلمته والتزاماته حفظاً للجانب الاجتماعيّ التنظيميّ في الحياة الإنسانيّة، وتعزيزاً للثقة والاستقرار النفسيّ بين أفراد المجتمع([107])، ولأثره الكبير في استقرار العلاقات الاجتماعيّة كان العهد من الأمور الثلاثة التي أوجبها الإسلام على المسلم تجاه المسلم والكافر سواء، وهي احترام الوالدين، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد([108]).
الآليّة العاشرة: الإنصاف
من الأمور التي تعتمد عليه العلاقات الاجتماعيّة الإنسانيّة هي الإنصاف، وقد حثّ القرآن على الإنصاف بشكل غير مباشر في كثير من آياته، كما تقدّم في رجوع رأس مال المرابي مثلاً، وحثّ القران كذلك بشكل مباشر على الإنصاف، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ}(الأنعام: 134)، {مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً}(الإسراء: 15)، فالبريء لا يؤخذ بجريرة المذنب، فلا يؤخذ الأطفال بكفر آبائهم، ولا أبناء الزنا بجريرة آبائهم، ولا المغتصبة على نفسها بما فعله المغتصِب لها، بل ولا يؤاخذ المذنب في حقّه ما لم يزاحم حقّ الاخرين، فيحفظ للمرابي رأس ماله مثلاً([111]).
الآليّة الحادية عشرة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إذا كان ما يحفظ أسس الأمن الاجتماعيّ التي اعتمد عليها القرآن هو التواصي بين الناس -كما تقدّم في المبحث السابق-، فإنّ ما يحفظ آليات الأمن الاجتماعيّ التي اتخذها القرآن هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهما ضامن وقائيّ للعلاقات الاجتماعيّة، وطريق للوصول إلى الكمال الأخلاقيّ الفرديّ والمجتمعيّ، فإنّ العلاقات والأعمال الاجتماعيّة تعترضها الكثير من المشاكل والعقبات، واستقرارها ممّا لا يسعد أصحاب المصالح والأنانيّين، فيسعون إلى هزّ استقرار العلاقات الاجتماعيّة ليستفيدوا من تزلزلها، فإذا ساد الفقر مثلاً انبروا لسدّ فجوة تأمين حالهم بتوفير قروض الربا، وهكذا في مختلف العلاقات التي تقدّم الحديث عنها في هذا المبحث، ولذا كان أمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور الصعبة التي تحتاج إلى عزيمة قويّة([112])، يقول تعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}(لقمان: 17).
بل إنّ فلاح الأمّة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتمسك بهذه الفريضة المضيَّعة، يقول تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(آل عمران: 104)، فإنّ فقدان الأمر بالعروف والنهي عن المنكر يفسح المجال للعوامل التي تؤثر على استقرار العلاقات الاجتماعيّة فلا بدَّ من مراقبة حثيثة ومستمرّة لصيانة هذه العلاقات بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([115]).
وكون أمّة الإسلام خير أمّة إنّما هو لتمسّكها بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ}(آل عمران: 110)، وتظهر عظمة هذه الفريضة حتى قُدّمت على الإيمان في الآية، وذلك خير شاهد على أهمّيّتها وخطورتها، والتمسّك بهذه الفريضة مما يوجب انتشار الإيمان، وإنفاذ تعاليمه وقوانينه الفرديّة والاجتماعيّ([117])، يقول تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(التّوبة: 71).
والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.
([1]) الإسراء: ٣٦.
([2]) النور: ٢٤.
([3]) فصلّت: ٢٢.
([4]) النمل: ٢٢.
([5]) النمل: ٢٧.
([6]) انظر: الميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج١٥، ص٣٥٧. وتفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١٢، ص٥٥.
([7]) النور: ٤.
([8]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١١، ص٢٣.
([9]) الحجرات: ٦.
([10]) انظر: الميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج ١٨، ص٣١١. والأمثل: ج١٦، ص٥٢٦. والتفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٧، ص١٠٩.
([11]) الإسراء: ٣٦.
([12]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٨، ص٤٧٤. والتفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٥، ص٤٣.
([13]) الأماليّ، محمّد بن الحسن الطوسيّ، ص٥٣٥.
([14]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٨، ص٤٧٦.
([15]) ق: ١٨.
([16]) انظر: الميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج١٨، ص٣٤٨. وتفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١٧، ص٢٦.
([17]) المحاسن، محمّد بن خالد البرقيّ، ج١، ص١٠٤.
([18]) ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول، ص٧٤.
([19]) انظر: الميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج١٨، ص٣٢٣. وتفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١٦، ص٥٥٠، وص٥٥٤.
([20]) الحجرات: ١٢.
([21]) الكافي، محمّد بن يعقوب الكلينيّ، ج٢، ص٣٥٦.
([22]) النساء: ١٤٨.
([23]) انظر: الميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج٣، ص١٢٣. وتفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٢، ص٤٧٧. ومواهب الرحمن في تفسير القرآن، السيّد عبد الأعلى السبزواريّ، ج١٠، ص٩٢.
([24]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٢، ص٤٧٧، وج٣، ص٥٠٨. ومواهب الرحمن في تفسير القرآن، السيّد عبد الأعلى السبزواريّ، ج١٠، ص٨٧.
([25]) النساء: ١٤٩.
([26]) القلم: ١٠-١١.
([27]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١٨، ص٥٢٩، وص٥٣٣. والميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج١٩، ص٣٧١. والتفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٧، ص٣٧٧.
([28]) من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن بابويه القمّيّ، ج٤، ص٣٧٥.
([29]) التحريم: ٣-٤.
([30]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١٨، ٤٤٩. والميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج١٩، ص٣٣٠.
([31]) الاختصاص، الشيخ المفيد أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان، ج١، ص٢١٨.
([32]) النحل: ١٠٥.
([33]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٨، ص٣٣١. والتفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٤، ص٥٥٤.
([34]) الكافي، محمّد بن يعقوب الكلينيّ، ج٢، ص٣٣٢، وص٣٣٨.
([35]) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، حسين بن نصر الحلوانيّ، ج١، ص١٤٥.
([36]) التوبة: ٧٧.
([37]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٨، ص٣٣٣.
([38]) انظر: الميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج١٨، ص٣٦٧. وتفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١٧، ص٧٧. والتفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٧، ص١٤٣.
([39]) النور: ١٥.
([40]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١١، ص٤٦.
([41]) النساء: ٨٣.
([42]) انظر: الميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ٥، ص٢١.
([43]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٣، ص٣٤٨، وج١١، ص٥٣. والتفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٢، ص٣٩١. ومواهب الرحمن في تفسير القرآن، السيّد عبد الأعلى السبزواريّ، ج٩، ص٨٠.
([44]) النساء: ١١٢.
([45]) انظر: التفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٢، ص٤٣٣. مواهب الرحمن في تفسير القرآن، السيّد عبد الأعلى السبزواريّ، ج٩، ص٢٤٦. تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٣، ص٤٤٠.
([46]) عيون الأخبار، أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوريّ، ج٢، ص٣٣.
([47]) جامع الأخبار، الشيخ محمّد بن محمّد السبزواريّ، ج١، ص١٣٨.
([48]) الكافي، محمّد بن يعقوب الكلينيّ، ج٢، ص٣٦١.
([49]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٣، ص٤٤٢.
([50]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١١، ص٢٠.
([51]) النور: ٤.
([52]) النور: ٢٣.
([53]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١١، ص٢٥.
([54]) النور: ١٦-١٧.
([55]) النور: ١٩.
([56]) الكافي، محمّد بن يعقوب الكلينيّ، ج٢، ص٣٥٧.
([57]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ١١، ص٤٨ وص٥١. والتفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٥، ص٤٠٧.
([58]) النحل: ١٢٥.
([59]) هود: ٧٤.
([60]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١٥، ص١٩٠.
([61]) الحجّ: ٣.
([62]) الحجّ: ٨.
([63]) تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١٠، ص٢٨٠.
([64]) نهج البلاغة، ص٥٣٨.
([65]) الكافي، محمّد بن يعقوب الكلينيّ، ج٢، ص٣٠٠.
([66]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١٥، ص١٩٢.
([67]) الحجرات: ١٢.
([68]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١٦، ص٥٥٠. والتفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٧، ص١٢٠.
([69]) انظر: الميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج١٨، ص٣٢٥.
([70]) الحجرات: ١٢.
([71]) الحجرات: ١١.
([72]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٦، ص٥٤٥. وج٢٠، ص٤٤٦. والتفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٧، ص١١٨. والميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج١٨، ص٣٢١.
([73]) التفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٧، ص٦٠٨.
([74]) الهمزة: ١.
([75]) انظر: التفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٢، ص٣٩٥. والميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج٥، ص٣١. وتفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٣، ص٣٦١.
([76]) النور: ٢٧.
([77]) النور: ٦١.
([78]) الأنعام: ٥٤.
([79]) النساء: ٨٦.
([80]) نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، حسين بن نصر الحلوانيّ، ج١، ص٨٣.
([81]) المحاسن، محمّد بن خالد البرقيّ، ج٢، ص٣٨٨.
([82]) غرر الحكم، عبد الواحد بن محمّد الآمديّ، ج١، ص٣٣٩.
([83]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٣، ص٣٦٠. ومواهب الرحمن في تفسير القرآن، السيّد عبد الأعلى السبزواريّ، ج٩، ص١٠٢.
([84]) انظر: التفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٣، ص٤٣٩.
([85]) انظر: الميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج١٨، ص٦٤.
([86]) الشورى: ٤٠.
([87]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١٥، ص٥٥٥.
([88]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج ٢، ص٦٩٩.
([89]) آل عمران: ١٣٣-١٣٤.
([90])انظر: مواهب الرحمن في تفسير القرآن، السيّد عبد الأعلى السبزواريّ، ج٦، ص٣٤٧. والأمثل، ٢، ص٦٩٨. والتفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٢، ص١٥٨.
([91]) نهج البلاغة، ص٤٠٣.
([92]) انظر: مواهب الرحمن في تفسير القرآن، السيّد عبد الأعلى السبزواريّ، ج٦، ص٣٤٧. والأمثل، ٢، ص٦٩٨. والتفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٢، ص١٥٨.
([93]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٢، ص٦٩٩. والتفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٢، ص١٥٨. ومواهب الرحمن في تفسير القرآن، السيّد عبد الأعلى السبزواريّ، ج٦، ص٣٤٨.
([94]) الأماليّ، الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن عليّ ابن بابويه القمّيّ، ج١، ص٢٠١.
([95]) الحجرات: ٩-١٠.
([96]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١٦، ص٥٣٦. التفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٧، ص١١٣.
([97]) انظر: الميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج١٨، ص٣١٥. وتفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١٦، ص٥٣٧.
([98]) انظر: التفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج٢، ص١٢٢. ومواهب الرحمن في تفسير القرآن، السيّد عبد الأعلى السبزواريّ، ج٦، ص٢١٠. وتفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٢، ص٦٢٠.
([99]) آل عمران: ١٠٢-١٠٣.
([100]) انظر: مواهب الرحمن في تفسير القرآن، السيّد عبد الأعلى السبزواريّ، ج٦، ص٢٢٨.
([101]) الحشر: ١٤.
([102]) أنوار الفقاهة (كتاب الحدود والتعزيرات)، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ص٣-١٠.
([103]) البقرة: ١٧٩.
([104]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١، ص٥٠٣. والميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج١، ص٤٣٣. والتفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج١، ص٢٧٧.
([105]) انظر: التفسير الكاشف، محمّد جواد مغنية، ج١، ص٢٧٢.
([106]) الإسراء: ٣٤.
([107]) انظر: الميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج١، ص٤٢٩. ومواهب الرحمن في تفسير القرآن، السيّد عبد الأعلى السبزواريّ، ج٢، ص٢٩١.
([108]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١، ص٤٩٩.
([109]) الأنعام: ١٦٤.
([110]) الإسراء: ١٥.
([111]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٨، ص٤٢٦.
([112]انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج١٣، ص٤٦.
([113]) لقمان: ١٧.
([114]) آل عمران: ١٠٤.
([115]) انظر: تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، ج٢، ص٦٢٧. ومواهب الرحمن في تفسير القرآن، السيّد عبد الأعلى السبزواريّ، ج٦، ص٢٤٢، وص٢٤٥. والميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج٩، ص٣٩٦.
([116]) آل عمران: ١١٠.
([117]) انظر: الميزان في تفسير القرآن، العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ج٣، ص٣٧٧. وج٢، ص٦٤٤.
([118]) التوبة: ٧١.

0 التعليق
ارسال التعليق