مقدّمة:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.
لليهود والديانة اليهودية تاريخ طويل، ومليء بالأحداث العجيبة والخطيرة، وقد نالت هذه الأحداث حصّة وافرة من آيات القرآن الكريم، ممّا يكشف عن أهمّية الوقوف عندها، والتأمّل فيها، والحذر من الوقوع في الأخطاء نفسها التي وقع فيها من سبقنا.
في هذا الحوار يشرّفنا سماحة الشيخ مهدي الكاظميB([1])، والمهتم بتاريخ الأديان السماوية، والتي منها الديانة اليهودية، ليتفضّل علينا بالإجابة على مجموعة من الأسئلة المتعلّقة بهذا الشأن.
السؤال الأول:
- لا شك أنّنا من أجل أنْ نفهم مجتمعاً بشريّاً ما، لا بدّ من العود إلى الإرهاصات التاريخيّة لولادته، والنقاط الزمانيّة المؤثّرة في تكوينه الفكريّ والنّفسيّ والاجتماعيّ، وإذا جعلنا المجتمع اليهوديّ محطّ البحث، فما هي أهمّ المحطات التاريخيّة التي مرّ بها إلى ما قبل العصر الحديث؟
الجواب:
يرجع تاريخ اليهودية إلى قصةٍ حدثت بين إبراهيمg وبين ربّ العالمين -بحسب حكاية التوراة- حيث يعتقد اليهود أنّ الإله وَعَد إبراهيمg وعاهده على أن تكون الأرض التي ما بين النيل والفرات لنسله، فهي (أرض المعاد) التي سيعود إليها اليهود تحـت قيادة الماشيح (المسيح المخلّص)، أي الأرض التي اسـتشهد نهاية التاريخ.
ويجب الانتباه هنا إلى أنّ الوعد لإبراهيمg ولأبنائه وأحفاده من بعده، وبالتالي فإنّ أحفاد إبراهيمg من ابنه إسماعيلg لهم الحقّ بهذا الإرث تماماً مثل حقّ أحفاده من إسحاقg ومن بعده من يعقوبg، ففي سفر التكوين: "وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 2 فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. 3 وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ"([2]).
فبعد استقرار يعقوبg وأولاده في أرض مصر أيام النبي يوسفg بدأ عدد بني إسرائيل في ازدياد، إلى أن وصل عددهم في عهد النبي موسىg إلى 600 ألف -بحسب رواية التوراة- وهذا هو العدد الذي خرج مع النبي موسىg من مصر وعبروا نهر النيل.
فهؤلاء کانوا مکلّفين بالدخول إلی الأرض المقدّسة، ولکنهم ارتکبوا المعصية بعبادة العجل وطلبهم من النبي موسیg أن يجعل لهم آلهة کما کان للمشرکين؛ فلذا نزلت العقوبة الإلهية عليهم بأنهم مُنِعوا من الدخول إلی الأرض المقدّسة، فکان القضاء الإلهي أن يتيهوا في صحراء سيناء ويموتوا کلّهم فيها، ويأتي جيل جديد بحيث هم الذين يدخلون الأرض المقدّسة.
وبالفعل هذا الذي حصل، إذ تَاه بنو إسرائيل في صحراء سيناء أربعين سنة. وفي هذه الأيام نزلت الشريعة التوراتية على النبي موسىg، ويشير الكتاب المقدّس إلى أنه في أثناء الفترة التي قضوها في صحراء سيناء نزلت عليهم الوصايا العشر على جبل موسى من يهوه إلى نبيه موسى، وكانت هذه هي البداية الحقيقية لليهودية ليظهر أول دين إبراهيمي.
وبعد أربعين سنة عبر بنو إسرائيل نهر الأردن بقيادة يوشع بن نون -حيث إنّ النبي موسیg قد مات في جبل طور- ودخلوا أرض فلسطين، وبعد الدخول إلى هذه الأرض، أخذ كلّ سبط من الاثني عشر سبطاً جزءاً من الأرض، وظلّت أرض إسرائيل لبضع مئات من السنين اتحاداً مقسّماً إلى اثنتي عشرة قبيلة يحكمها سلسلة من القضاة.
ثم جاءت الملكية الإسرائيلية -كما يقول الكتاب المقدّس-، وتكوّن الحكم الملكي سنة ألْفٍ قبل الميلاد تحت حكم "شاؤول"، ثم جاء الملك داود وابنه سليمان، وفي عهد داود، أصبحت مدينة القدس الموجودة حينئذٍ هي العاصمة الوطنية والروحية لإسرائيل.
وبنى سليمان أوّل معبد على جبل موريا([3]) في القدس، أو المسمّى بهيكل سليمان. وإثر وفاته اندلعت حرب أهلية بين عشر أسباط شمالية من بني إسرائيل في جانب، وسبطي يهوذا -وقد ضُمّ سبط شمعون إلى سبط يهوذا- وبنيامين في الجنوب في الجانب الآخر، وانقسمت الأمّة إلى مملكة إسرائيل في الشمال، ومملكة يهوذا في الجنوب، ثم خضعت إسرائيل لسيطرة الملك "شلمنصر الخامس" حاكم آشور في القرن الخامس قبل الميلاد.
تعرّضت هذه المملكة إلى هجوم البابليين بقيادة نبوخذ نصر، وتم هدم الهيكل، وسبي اليهود إلى العراق سنة 587 قبل الميلاد.
فترة الهيكل الثاني:
بعد أن سقطت بابل، وظهرت الإمبراطورية الفارسية سنة 546 قبل الميلاد، أنهى الملك الفارسي "كورش الكبير" السبي البابلي عام 538 قبل الميلاد، وسمح لليهود بالعودة إلى فلسطين، وانتهى المنفى بالعودة تحت قيادة الأمير "زربابل وجوشوا" الكاهن وبناء الهيكل الثاني حوالي 521-516 قبل الميلاد كجزء من الإمبراطورية الفارسية، وأصبحت مملكة يهوذا السابقة مقاطعة يهوذا شبه المستقلة (يهود مديناتا) بحدود مختلفة تغطّي مساحة أصغر من مملكة يهوذا، وعاصمتها في القدس.
وكانت يهودا تحت سيطرة الفارسيين حتى سقوط امبراطوريتهم في عام 333 قبل الميلاد للاسكندر الأكبر، وبعد وفاته حكم "البطالمة" فلسطين ثم "السلوقيون" فيما بعد.
وفي عام 63 قبل الميلاد، احتل الرومان يهودا، من سنة 37 قبل الميلاد إلى السنة السادسة الميلادية، وسمح الرومان لليهود بالحفاظ على درجة معيّنة من الاستقلال في ظلّ سلالة "هيروديان" التابعة، ومع ذلك أصبحت يهودا في النهاية تحت السيطرة الرومانية مباشرة، وتمّ دمج منطقة فلسطين في الامبراطورية الرومانية كمقاطعة يهودا، وشهدت نفس الفترة ولادة المسيحية التي بدأت كطائفة يهودية.
وفي العقود التالية ابتعدت المسيحية عن جذورها اليهودية، واعتمدت معتقدات عالمية، وبدأت في التبشير بتعاليم "يسوع" في جميع أنحاء الامبراطورية الرومانية، وأدّى ذلك إلى أن كون المسيحية تدريجياً ديانة عالمية يغلب عليها الطابع غير اليهودي.
وقد كان للحروب اليهودية الرومانية -وهي سلسلة من الثورات الفاشلة ضدّ الحكم الروماني خلال القرنين الأول والثاني بعد الميلاد- عواقب وخيمة على السكان اليهود في فلسطين، وتوّجت الثورة اليهودية الكبرى (66-73 م) بتدمير القدس والهيكل الثاني، وتمّ حرمان السكّان اليهود -الذين انخفض عددهم بشدّة في يهودا- من أيّ نوع من الحكم الذاتي السياسي، وتمّ تشريد اليهود إلى أرجاء العالم.
وأدّى تدمير الهيكل الثاني في عام 70 بعد الميلاد إلى تغييرات عميقة في اليهودية، ومع اختفاء مكانة الهيكل المركزية في الديانة اليهودية، تحوّلت الممارسات الدينية نحو الصلاة، ودراسة التوراة -بما في ذلك التوراة الشفوية- والتجمعات المجتمعية في المعابد اليهودية.
العصور القديمة المتأخّرة:
كان اليهود المشتّتون الذين يعيشون خارج فلسطين موجودين قبل وقت طويل من تدمير الهيكل الثاني في عام 70 بعد الميلاد، وكانوا مستمرّين لعدّة قرون مع تشتّت، وكانوا مدفوعين بالطّرد القسري والهجرة الطوعية، وفي القرن الرابع الميلادي، يُعتقَد أنّ اليهود فقدوا مكانتهم كأغلبية في فلسطين.
السؤال الثاني:
- ذكرتم تشتّت اليهود في أرجاء العالم، فكيف كانت ظروفهم في هذه البقاع المختلفة؟
الجواب:
في أوائل العصور الوسطى، اندمجت مجتمعات الشتات اليهودية في ثلاثة أقسام عرقية رئيسية وفقًا للمكان الذي استقرّ فيه أسلافهم: "الأشكناز" (في البداية في راينلاند وفرنسا)، و"السفارديم" (في البداية في شبه الجزيرة الأيبيرية)، و"المزراحيم" (الشرق الأوسط والمغرب العربي).
واحتفظ اليهود في كلٍّ من هذه المناطق بتقاليدهم الدينية وهويّتهم المميّزة، كما استلهموا من التقاليد المحليّة، وبدأوا في التحدّث بلغات يهودية جديدة مثل (اليديشية) و(الإسبانية اليهودية) و(العربية اليهودية)، وأما (العبرية) لغة اليهود القديمة فبقيت كلغة للصلاة والدراسة الدينية.
وقد واجه اليهود الاضطهاد في شبه الجزيرة الأيبيرية التي حكمها القوط الغربيون بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، لكن حياتهم تغيّرت بشكل كبير في ظل الحكم الإسلامي في الأندلس، وتميّزت هذه الفترة المعروفة باسم "العصر الذهبي للثقافة اليهودية في إيبيريا"، بإسهامات فكرية وثقافية كبيرة لليهود في مجالات مثل الفلسفة والطب والأدب، من قِبَل شخصيات مثل "صموئيل ابن نغريلة" و"يهوذا هليفي" و"سليمان بن جابيرول".
ومع ذلك شهدت شبه الجزيرة الأيبيرية في القرنين الثاني عشر والخامس عشر ارتفاعاً في معاداة السامية، ممّا أدّى إلى الاضطهاد والقوانين المعادية لليهود والمذابح والتحويلات القسرية (بلغت ذروتها في عام 1391)، وإنشاء محاكم التفتيش الإسبانية في نفس العام، وبعد سقوط الأندلس وإصدار مرسوم الحمراء من قبل الملوك الكاثوليك في عام 1492، أُجبر يهود إسبانيا على اعتناق المسيحية أو الطرد؛ ونتيجة لذلك تمّ طرد حوالي 200 ألف يهودي من إسبانيا، بحثاً عن ملجأ في أماكن مثل "الإمبر" الدولة العثمانية، وشمال إفريقيا، وإيطاليا، وهولندا، والهند، وهناك مصير مماثل ينتظر يهود البرتغال بعد سنوات قليلة، واختار بعض اليهود البقاء، وتظاهروا بممارسة المسيحية الكاثوليكية.
في أواخر العصور الوسطى، في منتصف القرن الرابع عشر، دمرت أوبئة الموت الأسود أوروبا، وأهلكت ما بين ثلث ونصف السكان. وقد تردّدت خرافة في كثير من الأحيان بأنه بسبب التغذية الأفضل والنظافة الشديدة عند اليهود، لم يُصب اليهود بنفس الأعداد؛ ولكن في الحقيقة اليهود أصيبوا بالفعل بنفس الأعداد التي أُصيب بها جيرانهم من غير اليهود، ولكنهم مع ذلك بقوا كبش فداء؛ حيث انتشرت الشائعات بشأن تسبّب اليهود في انتشار المرض عن طريق تسميم الآبار عن عمد.
وعلى إثر ذلك دُمّرت مئات المجتمعات اليهودية بالعنف. على الرغم من محاولة "البابا كليمنت السادس" حماية اليهود من الاضطهاد عن طريق المرسوم البابوي الذي أصدره في 6 يوليو 1348، ومرسوم آخر أصدره في 1348، وبعد عدّة أشهر حُرق 900 يهودياً حيّاً في ستراسبورغ.
وكذلك نرى "نيكولاي الثاني" -آخر قياصرة الروس- قام بطرد اليهود من روسيا، فالتجأوا إلى أميركا في نهايات القرن 19 وبدايات القرن 20.
نتيجة لهذا الوضع والخلافات أصبح اليهود في الدول الأوربية منبوذين، وجعلوهم في أحياء منغلقة سموها الغيت أو حارة اليهود.
السؤال الثالث:
- ما هو السرّ في حضور اليهود في القرآن الكريم، هل هو مجرّد ضرورة تاريخيّة حيث كانوا المكوّن الأبرز والأقوى من مجتمع المدينة المنوّرة من غير المسلمين؟ أم أنّ هناك أسباباً أخرى؟
الجواب:
أولاً: إنّ أكثر الأمم الماضية قصّةً في القرآن الكريم هي أمّة بني اسرائيل، وأكثر الأنبياء ذكراً فيه موسي بن عمرانg، فقد ذُكِر اسمه في القرآن في (136موضعاً)، يعني ضِعف ما ذُكِر إبراهيمg.
فعند التأمّل في قصص بني إسرائيل المذكورة في القرآن، نرى أنّ هذه الأمة التي اختارها الله لتكون من أكثر الأمم التي أُرسِل إليها الأنبياء قد غرقت في الشهوات والكفر بالله تعالى، وقد أقرّ الكتاب المقدّس بذلك، فنرى أنّ التوراة تشير إلى أنّ بني إسرائيل قد ارتدّوا على أدبارهم عدّة مرّات، وفي كلّ مرّة كان يأتي إليهم نبيٌّ منهم ويرشدهم إلى الإيمان، فكانوا يلتزمون فترة ثم يتقاعسون ويرجعون إلى الكفر مرّة أخرى، فهؤلاء قوم قتلوا أنبياءهم، ووصفوا الله تعالى بأوصاف لا تليق به سبحانه -تعالى الله عمَّا يقولون علوّاً كبيراً-، فلعلّ القرآن لم يترك لهم دسيسةً إلا أخبر بها، ولا خسيسةً إلا أظهرها للعيان، حتى يأخذ المسلمون حذرهم منهم، ويكونوا على بصيرة بهم، ومن جملة ذلك أكلهم للرّبا، ونقضهم للعهود والمواثيق، قال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}(البقرة: 100).
ثانياً: إنّ بعض بني إسرائيل كانوا يسكنون في الجزيرة العربية، وكان لهم موقف معارض للدين الإسلامي الجديد، وبما أنهم أهلُ كتابٍ سابق أخذ القرآن يذكر لهم قصص قومهم مع أنبيائهم للبرهنة على صدق الرسولe، وفي نفس الوقت ليقيم عليهم الحجّة بذلك.
السؤال الرابع:
- في المقارنة بين تاريخ اليهود في القرآن الكريم وبين ما هو موجود في مدوّنات اليهود التاريخيّة وغيرها، ومصادر التاريخ العامّ، هل نجد هناك تطابقاً تاماً؟
الجواب:
القرآن الكريم لم يتعرّض لذكر تاريخ اليهود كبحثٍ تاريخي وسرد الأحداث التاريخية، ومع ذلك نرى تطابقاً لما ذكره القرآن عن اليهود مع ما ورد في الكتاب المقدّس بشكل جزئي، وذلك نظير ما ورد في قصة اضطهاد بني إسرائيل ونجاتهم، ففي قصة نبوّة النبي موسىg: ﴿وَهَلْ أَتاكَ حَديثُ مُوسى * إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً * فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾(طه: 9-12).
وهذا المضمون موجود في سفر الخروج الإصحاح الثاني:
- 1- وَأَمَّا مُوسَى فَكَانَ يَرْعَى غَنَمَ يَثْرُونَ حَمِيهِ كَاهِنِ مِدْيَانَ فَسَاقَ الْغَنَمَ إِلَى وَرَاءِ الْبَرِّيَّةِ وَجَاءَ إِلَى جَبَلِ اللهِ حُورِيبَ.
- 2- وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ فَنَظَرَ وَإِذَا الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ!
- 3- فَقَالَ مُوسَى: أَمِيلُ الآنَ لأَنْظُرَ هَذَا الْمَنْظَرَ الْعَظِيمَ. لِمَاذَا لاَ تَحْتَرِقُ الْعُلَّيْقَةُ؟
- 4- فَلَمَّا رَأَى الرَّبُّ أَنَّهُ مَالَ لِيَنْظُرَ نَادَاهُ اللهُ مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ وَقَالَ: مُوسَى مُوسَى. فَقَالَ: هَئَنَذَا([4]).
- 5- فَقَالَ: لاَ تَقْتَرِبْ إِلَى هَهُنَا. اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ".
وکذلك قصة طلب طالوت وأنهم طلبوا من نبيٍّ لهم أن يجعل لهم ملكاً([5])، وقد وردت هذه القصة بالتفصيل في کتاب "سموئيل".
السؤال الخامس:
- يعود تاريخ وجود اليهود في شبه الجزيرة العربيّة إلى ما قبل الإسلام. فما هي أسباب مجيئهم؟ وكيف عاشوا وأثّروا وتأثّروا فيها؟
الجواب:
وُجِد اليهود قبل الإسلام في شبه الجزيرة العربية؛ في اليمن، وحضرموت، ويثرب، وتيماء، وخيبر، واليمامة، ونجران، وفي دومة الجندل، ومناطق أخرى متفرّقة، فقد كانت اليهودية إحدى الديانات المتواجدة في شبه الجزيرة العربية.
وأوّل ذكر لليهود في مناطق شبه الجزيرة العربية يرجع -حسب بعض الأخبار- إلى زمن الهيكل الأول، وقد بدأت الهجرة اليهودية إلى مناطق شبه الجزيرة العربية بشدّة في القرن الثاني الميلادي، وبحلول القرنين السادس والسابع الميلاديين كان هناك عدد كبير من اليهود يسكنون شمال الحجاز وتحديداً في يثرب وما حولها.
وبحسب ما ذكره القرآن الكريم أنّ اليهود هاجروا إلى يثرب ليتّخذوا منها سكناً بعد أن وجدوا فيها ما يشير إلى أنها أرض الرّسول المرتقب، و بقوا فيها ينتظرون بفارغ الصبر النّبي الذي بشّرت به التوراة، كما كانوا ينتظرون الفتح والنصر على الذين كفروا تحت لواء هذا النّبي، كما قال تعالى: ﴿وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرينَ﴾(البقرة: 89)، فإنّهم مع كلّ ذلك أعرضوا عن الرّسولe وعن الرسالة.
السؤال السادس:
- كيف نقارن بين حياة اليهود في المجتمعات الإسلاميّة، وبينها في المجتمعات الأخرى؟
الجواب:
طالما عاش اليهود في مجتمعات معزولة، وطالما كانت كلّ العلاقات الاجتماعية مع جيرانهم علاقة محدودة جدّاً، وقد ذكرنا أنهم كانوا منبوذين في المجتمعات.
وهذا بخلاف ما نجده في العصر الإسلامي؛ حيث إنّ النبيe وقّع اتفاقيات سمّيت بموادعة اليهود في المدينة، ولكن حيث ظهرت منهم المخالفة والخيانة أمر النبيe بقتالهم.
ولكن بعد هذا العصر لم يأخذ الحكم الإسلامي موقفاً ضدّهم، بل عاش اليهود في الأحياء الإسلامية آمنين، وأوج ذلك في إيبريا في الأندلس.
السؤال السابع:
لا بدّ أنْ يكون هذا التاريخ المعقّد ذا أثر في طبيعة الحركات اليهوديّة المعاصرة، وأهمّها الصهيونيّة. فكيف بدأت هذه الحركات؟ وما هي أهمّ ملامحها؟ وكيف انتهت إلى الصهيونيّة؟
الجواب:
الصِّهْيُونِيَّة هي أيدولوجية وحركة قومية ثقافية ظهرت بين يهود شرق ووسط أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، سعت لإنشاء دولة قومية خاصّة لهم باستعمار بلاد خارج أوروبا، تمخّض عنها عام 1948م تأسيسها إثنوقراطية في فلسطين.
يرى البعض أنّ بدايات الفكر الصهيوني كانت في إنجلترا في القرن السابع عشر في بعض الأوساط البروتستانتية المتطرّفة التي نادت بالعقيدة الاسترجاعية، والتي تعني ضرورة عودة اليهود إلى فلسطين؛ شرطاً لتحقيق الخلاص وعودة المسيح، لكن ما حصل هو أنّ الأوساط الاستعمارية العلمانية في إنجلترا تبنّت هذه الأطروحات وعَلْمَنَتْهَا ثم بلورتها بشكل كامل في منتصف القرن التاسع عشر على يد مفكّرين غير يهود، بل معادين لليهود واليهودية.
ومن المهم أيضاً لفت الانتباه إلى أنّ الصهيونية نشأت كردّة فعل على ما أسماه اليهود (معاداة السامية)، لتصبح مهمّة الحركة الصهيونية هي تغيير واقع اليهود في قارة أوروبا إلى دولة قومية تجمع اليهود من كلّ أنحاء العالم.
وفي ظلّ صعود القومية -التي ستعيد تشكيل أوروبا- أواخر القرن التاسع عشر، واصطدام مركّباتها العنصرية مع يهود إمبراطوريات شرق ووسط أوروبا الذين كانوا يعيشون كأقلّيات، تعاني معظم مجتمعاتهم الفقر والعداء، ويتعرّضون لهجمات عنيفة ومذابح منظمة، وفي ذلك السياق، نشأت اتجاهات داخل مجتمعات يهود شرق أوروبا مثل التمسّك باليهودية الأرثوذكسية (الحاسيدية)، الهسكلة (الاندماج في المجتمع الاوروبي)، الصهيونية (صياغة هوية يهودية قومية)، الاحتفاء بالهوية الوطنية الاشتراكية (البوندييون)، والهجرة للولايات المتّحدة وأوروبا الغربية، وكانت الأيدولوجية الصهيونية تؤسّس لهوية يهودية قومية، ولم تنظر لليهود كمجموعة دينية أو إثنية، بل كقومية.
ولم يكن الصهاينة متديّنين، ورأوا أنهم بهذه الهوية (القومية) لا مستقبل لهم في تلك البلاد؛ ورفضت اندماج اليهود في المجتمعات الأخرى كسبيل للتحرّر من معاداة السامية والاضطهاد، ورأت أنّ السبيل الوحيد للنجاة والتحرّر هو إنشاء دولة قومية جديدة منفصلة لهم والانتقال إليها.
ولم تشكّل أعداد المهاجرين اليهود المستجيبين لدعوات الصهيونية للهجرة لإنشاء دولة قومية صدى واسعاً مقارنة بالأعداد التي هاجرت إلى الولايات المتّحدة الأمريكية مثلاً، ورأى الصهاينة أنّ إنشاء دولة قومية لن يكون ممكناً في أوروبا، فكانت عدّة بقع جغرافية اقترحت في كتابات الصهاينة لإنشاء هذه الدولة استعمارياً، من ضمنها الأرجنتين وفلسطين.
وبعد فترة أضحى واضحاً في الرواية القومية للصهاينة تناسب الدعوة للهجرة إلى أرض فلسطين مع الأحداث التوراتية، وأنها ستكون -قومياً- أرض الآباء والأجداد (إيريتس يسرائيل)، وأنّ الهجرة إليها هو عكس للظلم الذي وقع عليهم في الشّتات، فطالب قادة الحركة الصهيونية بإنشاء دولة منشودة في فلسطين، والتي كانت ضمن أراضي الدولة العثمانية، وارتبطت الحركة الصهيونية الحديثة بشخصية اليهودي النمساوي "هرتزل" الذي يُعَدّ الداعية الأول للفكر الصهيوني الحديث، والذي تقوم على آرائه الحركة الصهيونية في العالم.
ويرى أنصار الصهيونية أنها حركة تحرير وطنية لإعادة شعب مضطهد مقيم كأقليات في مجموعة متنوّعة من الدول إلى وطن أجداده، وقد ساهمت محرقة "الهولوكوست" في إقناع اليهود بأفكار الحركة الصهيونية كثيراً بدعوى المظلومية، وكانت دافعاً كبيراً للهجرة والقتال لإقامة دولتهم اليهودية في فلسطين.
ومع ذلك يرى منتقدو الصهيونية أنها أيديولوجية استعمارية عنصرية واستثنائية، قادت أتباعها إلى استخدام العنف خلال الانتداب البريطاني على فلسطين، وتسبّبت في نزوح العديد من الفلسطينيين، ثم إنكار حقّهم في العودة إلى أراضيهم وممتلكاتهم المفقودة خلال حربي 1948م و1967م.
وبكلمة مختصرة: إنّ الحركة الصهيونية حركة علمانية قومية، استغلّت الشعارات الدينية الموجودة في الكتاب المقدّس.
السؤال الثامن:
- تحاول القوى الإعلاميّة والثقافيّة الغربيّة أنْ تبرّر للصهيونيّة من خلال تاريخ المظلوميّة اليهوديّ، ومن خلال مضامين التحرّر ورفع الظلم التي قد توجد في خطابها. فكيف يمكن أن نوازن بين الموقف السلبي الطبيعيّ أمام الظلم -لو كان واقعياً-، وبين موقف الرفض القطعيّ الذي نواجه به الصهيونيّة العالميّة؟
الجواب:
لا شكّ عندنا أنّ اليهودي في أوروبا كان مضطهداً من قبل المجتمع الأوروبي المسيحي، وجزءٌ من هذا الاضطهاد كان راجعاً إلى بعض التصرّفات السيئة لبعض اليهود، فإنّ الألمان -مثلاً- قد اعتقدوا أنّ يهود بلادهم كانوا جزءاً من سبب انهزامهم في الحرب العالمية الأولى من خلال ممارسة عملية التجسّس لصالح أعداء الألمان، وكذلك في القرن التاسع عشر كان هناك اعتقاد في أوروبا بأنّ اليهود يقومون بإقراض المجتمع الأوروبي بقروض ربوية بهدف استغلالهم.
وعلى أيّ حال فإنّ هذا الاضطهاد لا يبرّر أن يقوم اليهود بصبّ غضبهم على قوم هم بمنأى عمّا جرى عليهم في القرون الماضية في أوروبا، بل إذا نظرنا إلى تاريخ اليهود في المجتمعات الإسلامية نرى أنّ وضعهم أفضل بكثير عما كانوا عليه في سائر بقاع الأرض، فإنّ المسلمين من منطلق التعايش الإسلامي كانوا يحسنون التعامل مع أصحاب الديانات الإبراهيمية.
السؤال التاسع:
- هل يمكن أنْ تطلعونا على التوزّع السكانيّ لليهود اليوم في العالم؟ وما هي دلالاته؟
الجواب:
قُدِّرَت أعداد اليهود في العالم في أوائل عام 2013م حوالي 13.9 مليون نسمة (حوالي 0.2% من سكّان العالم) وذلك حسب إحصائية معهد "بيو" ومعهد تخطيط سياسة الشعب اليهودي.
وقد أدّت موجات الهجرة اليهودية إلى الولايات المتّحدة وأماكن أخرى في مطلع القرن 19م، وتأسيس الصهيونية، وحصول أحداث دراميّة بما في ذلك المذابح في روسيا والهولوكوست في أوروبا الغربيّة، وتأسيس دولة إسرائيل، وهجرة اليهود من الأراضي العربية لاحقاً، أسفرت جميعها عن تحوّلات كبيرة في المراكز السكّانية ليهود العالم بحلول نهاية القرن 20م.
يتركّز المجتمع اليهودي حالياً في بلدين، وهما: فلسطين المحتلّة، والولايات المتّحدة، والتي تحوي 82% من مجمل السكّان اليهود في العالم.
ويقدّر عدد اليهود في فلسطين المحتلة بحدود 6 ملايين نسمة، كما أنه يقدّر عدد الجالية اليهودية في الولايات المتّحدة أيضاً بهذا المقدار.
وفي مكان آخر في الأميركتين، هناك أيضاً تجمّعات سكانيّة يهودية كبيرة منها في كندا (315,000)، والأرجنتين (180,000-300,000) والبرازيل (107,329– 120,000)، في حين أنّ هناك دولاً تحوي عدد سكان صغير من اليهود.
وتعيش أكبر جالية يهودية في أوروبا الغربية، والتي تحتلّ مرتبة ثالث أكبر جالية يهودية في العالم، وهي في فرنسا التي تضم ما بين 483,000 و500,000 يهودياً، والغالبية العظمى منهم هم من المهاجرين أو اللاجئين من الدول العربية من شمال أفريقيا مثل الجزائر والمغرب وتونس.
ويعيش في المملكة المتّحدة جالية يهودية هامّة تصل أعدادها إلى نحو 292,000، وفي أوروبا الشرقية تتراوح أعداد اليهود بين 350,000 إلى مليون يهودياً يعيشون في دول الاتحاد السوفيتي السابق، ولكن من الصعب تحديد الأرقام الدقيقة، وذلك بسبب اندماج اليهود في مجتمعات أوروبا الشرقية والزواج المختلط.
وسجّل في ألمانيا 102,000 يهودياً لدى المجتمع اليهودي، وهذه الأعداد آخذة في الانخفاض ببطء، وذلك على الرّغم من هجرة عشرات الآلاف من اليهود من الاتحاد السوفياتي السابق منذ سقوط جدار برلين.
ويعيش أيضاً آلاف الإسرائيليين في ألمانيا، إما بصفة دائمة أو مؤقّتة لأسباب اقتصادية.
وهناك جاليات يهوديّة كبيرة في أستراليا (120,000)، وجنوب أفريقيا (70,000)، فضلاً عن جالية قوامها (7,000) شخص في نيوزيلندا.
وهذا الشّتات إن دلّ علی شيء فإنه يدلّ علی الوضع العام لليهود في القرون الماضية، بحيث لم يتمکّن اليهود من الاجتماع في مكان واحد، ومن أهمّ أسباب ذلك هو حالة النفور الحاصلة للمجتمعات المختلفة الناشئة من سوء تصرّفات اليهود في كلّ مكان.
بل إنّ معالم هذه الكراهية والنفور ضدّ اليهود موجودة إلى الآن في أوروبا، فعندما اعترف دونالد ترامب بالقدس في ديسمبر/كانون الأول 2017م كعاصمة لإسرائيل، فإنّ أكثر مكان غطّى المحلات الصغيرة بالأعلام الفلسطينية كان أوروبا؛ وذلك ليس دعماً للفلسطينيين بقدر ما هو كره لليهود.
الخاتمة:
لا يسعنا في خاتمة هذا الحوار الشيّق إلا أن نشكر سماحة الشيخ مهدي الكاظمي على تجشّمه عناء الإجابة على هذه الأسئلة، ونتمنى أن نستفيد منه أكثر وأكثر في مرّاتٍ قادمة إن شاء الله، ونسأل الله تعالى له كلّ الموفّقية والنجاح.
([1]) الشيخ محمد مهدي بن الشيخ حبيب الكاظمي، أستاذ في الحوزة العلمية، ومدير حوزة الأطهار التخصّصية. حضر دروس البحث الخارج عند آيات الله السيد موسى الزنجانيB، والشيخ جعفر السبحانيB، والشيخ صادق لاريجانيB، الشيخ جواد مرويB، والشيخ مهدي الگنجيB. متخصّص في قسم الإلهيات المسيحية والأديان. له اهتمام كبير بتاريخ اليهودية والمسيحية القديم والمعاصر، وله العديد من المؤلّفات والمقالات في هذا الجانب.
([2]) سفر التكوين 12: 1-5
([3]) (Mount Moriah)
([4]) أي: ها أنا ذا.
([5]) انظر سورة البقرة: 246.

0 التعليق
ارسال التعليق