الملخّص:
يبحث الكاتب حول الأثر الوضعيّ للحرمة التكليفيّة المتعلّقة بالمعاملات حال كونها سبباً في المحرّم. فيشرع -مطلعَ المقال- في تقسيم النهي المتعلّق بالمعاملات، مخصّصاً البحث في قسم معيّن. ثمّ يعطِف إلى موضوع البحث وهو اقتضاء النّهي -من القسم المزبور- لفساد المعاملة من عدمه. وقد انطلق بتنويع أنحاء النهي إلى: النهي عن السبب، والنهي عن المسبّب، والنهي عن الأثر. ثمّ أورد الأقوال والأدلّة والمناقشة بكلّ واحد من الأنحاء المذكورة. وفي الوقفة الأخيرة التطبيقيّة، عرض بعضاً من الموارد الفقهيّة للنهي عن المعاملة لكونها تسبيباً إلى الحرام.
المقدّمة:
ذكر الفقهاء أنّ التسبيب إلى الحرام التكليفيّ له موارد متعدّدة، منها ما يصحّ إطلاق وصف الحرمة التكليفيّة عليها من دون أن يترتَّب على نفس الحرمة أثر وضعيّ، من قبيل حرمة التسبيب إلى شرب الخمر والنجس.
ومنها نحو آخر من التسبيب وهو المعاملة المحرّمة التي يترتَّب عليها حكم وضعيّ من الصحة والفساد، فمثلاً يحرم بيع المصحف على الكافر، فهذه المعاملة منهيّ عنها، وهي سبب لتمكين الكافر من القرآن أو لتنجيسه مثلاً، فهنا يُسأل: هل تكون هذه المعاملة صحيحة أم فاسدة؟
وبيان ذلك يقتضي التعرّض إلى جملة من النقاط.
النقطة الأولى: أقسام النهي المتعلّق بالمعاملات
القسم الأول: أن يكون النهي عن المعاملة بلحاظ انطباق عنوان محرّم عليها
كانطباق عنوان تقوية الكفر على معاملة بيع السلاح لأعداء الدين عند حربهم المسلمين.
ولا يخفى الفرق بين عنوان بيع السلاح من الكفار وبين تقوية الكفر وإعانته، فإنّ النسبة بينهما عموم وخصوص من وجه، فقد يصدق العنوان الأوّل دون الثاني فيصدق عنوان بيع السلاح منهم ولا يصدق عليه عنوان تقويتهم، كما لو بيع لهم في أيام الصلح، وقد يصدق العنوان الثاني دون الأوّل فيصدق عنوان تقوية الكفر ولا يصدق عنوان البيع كما في حالة إجارتهم أو هبة السلاح لهم. وقد يجتمعان في حالة بيعه منهم أيام الحرب.
وعليه لا يلزم من تعلّق النّهي بتقوية الكفر على الإسلام حرمة بيع السلاح لأعداء الإسلام إلا في حالة اجتماع العنوانين.
القسم الثاني: أنْ يكون النهي عن المعاملة من جهة تعلّقها بشيء مبغوض
فتحرم المعاملة -على بيع الخمر والخنزير والصليب وآلات القمار وغيرها- باعتبار تعلّقها بهذه الأمور المبغوضة عند الشارع.
القسم الثالث: أنْ يكون النّهي عن المعاملة باعتبار ذاتها
لا بلحاظ العناوين الطارئة عليها، ولا بلحاظ مبغوضيّة متعلّقها، بل بلحاظ نفس المعاملة، كالنّهي عن بيع المصحف والنهيّ عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة، وبيع المسلم على الكافر([1]).
ومن الواضح أنّ المعاملة التي تعدُّ من مصاديق التسبيب إلى الحرام تندرج تحت القسم الأول، باعتبار أنّ بيع المصحف أو بيع السلاح على أعداء الدين ليس منهياً عنه بما هو بيع أو لكون متعلّقه مبغوضاً كالخنزير والكلب، بل لانطباق عنوان تقوية الكفر وعنوان تمكين الكافر على هذا البيع، وكلا العنوانين ممّا حرّمهما الشارع المقدّس، فيكون البيع حينها من التسبيب إلى الحرام التكليفيّ الواقعيّ.
النقطة الثانية: هل النّهي عن المعاملة يقتضي فسادها؟
النّهي عن المعاملة تارةً يكون تكليفيّاً بداعي الرّدع والزّجر، وأخرى يكون وضعيّاً بداعي الإرشاد إلى مانعيّة الشيء المنهيّ عنه، والنسبة بينهما العموم والخصوص من وجه، فقد يكون البيع حراماً تكليفاً ولا يكون كذلك وضعاً، كما في البيع في وقت النداء لصلاة الجمعة، وقد يكون حراماً وضعاً لا تكليفاً كما في البيع الغرريّ، وقد يكون حراماً وضعاً وتكليفاً كما في بيع الخمر.
ومحلّ الكلام في الحرمة التكليفيّة لا الوضعيّة؛ لأنّه إذا كان النهي بداعي الإرشاد إلى المانعية فإنه يدل على فساد المعاملة؛ لدلالة النهيّ على اعتبار عدم المانع فيها، وتخلّفه تخلّفٌ للشرط المعتبر في صحّتها.
والنهيّ في تعلّقه بالمعاملة يكون على أحد أنحاء ثلاثة:
النحو الأوّل: النهي عن السبب والصيغة.
النحو الثاني: النهي عن المسبَّب والنقل والانتقال.
النحو الثالث: النهي عن أثر المسبَّب بمعنى التصرّف في الثمن والمثمن بعد حصول النقل والانتقال.
النحو الأول: النهي عن الصيغة من الإيجاب والقبول
فمن الواضح أنّه نهي تحريميّ نفسي تعلّق بالصيغة، كما في النهي عن البيع حين النداء لصلاة الجمعة {إِذا نُودِيَ للصَلاةِ مِن يَومِ الجُمعَةِ فَاسعَوا إِلَى ذِكرِ اللهِ وَذَرُوا البَيعَ}(الجمعة:12).
وهذا النحو خارج عن محلّ النزاع بينهم، ولا يوجب فساد المعاملة؛ لأنّ العقل لا يرى الملازمة بين صدور الأمر المبغوض - للمولى- من المكلّف وبين فساده، فقد يصدر الفعل بوصف كونه مبغوضاً ومع ذلك تترتّب عليه الآثار، والشاهد على ذلك قوله تعالى في آية الظهار: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(المجادلة:3)، فالظهار إيقاع محرّم فعله، ولكنّه إذا صدر من الزوج ترتّب عليه الأثر وحرمت عليه زوجته.
ولا منافاة لا عقلاً ولا شرعاً بين مبغوضيّة المعاملة للمولى وبين إمضاء الشارع للعقد مع توفّر الشروط المعتبرة فيه، فمقتضى الجمع بين دليل حرمته التكليفيّة وبين التمسّك بإطلاق دليل نفوذ المعاملة هو الحكم بترتّب الأثر عليه وإن ترتّب العقاب على الإتيان به.
وهذا النحو ممّا لا مورد له من الشارع المقدّس، ولهذا أشار السيّد البروجرديّS بقوله: "فإنّها بهذا المعنى ليست لها نفسيّة، ولا تتعلّق بها المحبوبيّة والمبغوضيّة عند العقلاء، ولا أظنّ أن يكون في الشريعة المطهّرة نهيٌ متعلّق بها من هذه الحيثيّة"([2]). وأمّا النهي في الآية عن البيع وقت النداء فهو ليس نهياً تحريميّاً وليس نهياً عن التلفّظ به وإنشائه في عالم الاعتبار بالتلفّظ -لأنّ المعاملات المتعارف بينهم إنّما هي حقيقة المعاملة من النقل والانتقال لا مجرّد ألفاظها- وإنّما هو نهي عن الاشتغال به عن ذكر الله تعالى، وإرشاد إلى حضور الجمعة والاشتغال بذكر الله جلّ ذكره.
النحو الثاني: النهي عن المسبَّب والنقل والانتقال
وهذا النحو من الأمور المتعقلّة والممكنة؛ لأنّ الشارع عندما اعتبر الصيغة -وهي فعل مباشريّ- سبباً للنقل والانتقال فيكون المسبَّب -الذي هو فعل توليديّ- تابعاً لإيجاد السبب، فيمكنْ أنْ يتعلّق به النهي، فهل هذا النهي التحريميّ عن المسبَّب الذي يحصل من السبب يوجب بطلان المعاملة؟ كما في بيع السلاح على أعداء الدين، فقد ورد في الوسائل عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنِ اَلسَّرَّاجِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِg قَالَ: قُلْتُ لَهُ إِنِّي أَبِيعُ السِّلاَحَ. قَالَ: >لاَ تَبِعْهُ فِي فِتْنَةٍ<([3]).
وكذلك ورد النهي عن بيع الدهن الذي ماتت فيه الفأرة، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍh قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ حُبِّ دُهْنٍ مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ، قَالَ: >لاَ تَدَّهِنْ بِهِ ولاَ تَبِعْهُ مِنْ مُسْلِم<([4]).
والأقوال فيه ثلاثة:
القول الأول: النهي عن المسبَّب يقتضي بطلان المعاملة
وهو ما ذهب إليه المحقّق الميرزا النائيني¤([5])، والوجه في ذلك أحد وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: إنّ صحة المعاملة -كالبيع مثلاً- تتوقَّف على تماميَّة ثلاثة أركان:
الركن الأول: أن يكون البائع مالكاً، أو موكلاً بالبيع، أو وليّاً.
الركن الثاني: أن يكون البائع مسلّطاً شرعاً وقادراً شرعاً على التصرّف في العين، بأن لا يكون المالك مجنوناً، أو محجوراً عليه، بحيث لا يمكنه إيجاد النقل والانتقال في أمواله.
الركن الثالث: أن يستعمل البائع الأسباب المعتبرة والصحيحة شرعاً الموجبة للانتقال، فيأتي بالصيغة المعتبرة مع تمام ما يعتبر من الشرائط، لتحقيق السبب.
فإذا تمّت هذه الأركان، حينئذٍ يحكم بصحة المعاملة، وإذا اختلّ واحد منها يحكم ببطلانها.
وهنا يقال بأنّ النّهي عن المعاملة بمعنى المسبَّب -أي إنّ النّهي عن المسبَّب- يقتضي بطلان المعاملة؛ كما في النّهي عن تمليك المصحف للكافر، وما بطلان المعاملة إلا لاختلال الركن الثاني، باعتبار أنّ هذا المسلم الذي يريد بيع المصحف من الكافر، وإن كان مالكاً للمصحف، إلّا أنّه غير مسلّط شرعاً على مثل هذا التصرّف الوضعيّ، وبذلك يثبت بطلان هذا البيع([6]).
وناقشه السيد الشهيد الصدر في البحوث بعدم تماميَّة الركن الثاني، فيقال: ما هو المراد من السلطنة (الحجر) أو(المنع من التصرّف)؟ فهناك ثلاثة احتمالات متصوّرة لها، وعلى جميعها يرد الإيراد.
الاحتمال الأول: السلطنة بمعنى عدم كونه -المسبَّب- محرّماً شرعاً، وهو عبارة أخرى عن الجواز التكليفي.
ولكنّ هذا أول الكلام ومصادرة على المطلوب؛ لأن مرجعه إلى أخذ السلطنة- بهذا المعنى- شرطاً في صحة المعاملة، وهو عبارة أخرى عن اشتراط عدم النهي التكليفي عن المعاملة في صحتها، وهذا يعني أنّ النهي يوجب البطلان لكونه مانعاً عن الصحة، وهو عينه محل النزاع.
الاحتمال الثاني: السلطنة بمعنى القدرة التكوينيَّة على إيجاد المسبَّب الاعتباريّ، فإن كان قادراً على إيجاده تحقّقت السلطنة وتحقّق الركن الثاني، وهذا يعني أن تؤخذ القدرة ركناً وشطراً في العقد، وحينئذٍ تكون القدرة التكوينيَّة متوقَّفة على إمضاء الشارع للمسبَّب، وبدون هذا الإمضاء لا قدرة فينتفي الركن.
ولكن أورد عليه السيد الشهيدS بأنّ هذا من الدور الصريح. وبيانه بأن يقال: المقدّمة الأولى: إنّ القدرة التكوينيَّة متوقّفة على إمضاء الشارع للمسبَّب الشرعيّ، والمقدمة الثانية: أنّ المسبَّب الشرعيّ متوقّف على القدرة لأنّها مأخوذة في موضوعه وفعليّته، وفعليّة الحكم متوقّفة على فعليّة الموضوع، فحصل التوقّف من الجهتين.
ولهذا أشارN: "فإنَّ القدرة التكوينيَّة على المسبَّب في طول إمضاء المسبَّب؛ إذ مع عدم إمضاء الشارع للمسبَّب لا قدرة على إيجاده، وإذا كانت القدرة في طول الإمضاء فكيف يُعقل أخذها في موضوعه؟ وإذا لم تكن السلطنة مأخوذة في موضوع الإمضاء فلا ضير في أَنْ يكون النهي عن المسبَّب مزيلاً لها"([7]).
وإن شئت قلت: يلزم من هذا المعنى للسلطنة أن يكون الشيء الواحد في رتبة متقدّمة وفي رتبة متأخّرة، وعندهم قاعدة عامة وهي أنّ كلّ ما لا يتأتّى إلا من قبل الشيء يستحيل أنْ يؤخذ في موضوع الشيء، فصارت القدرة التكوينيَّة بلحاظ أنّها في الموضوع فهي يتوقَّف عليها حصول المسبَّب، فحصول المسبَّب المُمضى شرعاً يتوقَّف على القدرة، والقدرة تتوقَّف على إمضاء المسبَّب، فصارت القدرة متوقّفة على إمضاء المسبَّب الشرعي، والمسبَّب الشرعي متوقّف على القدرة.
فالقدرة التكوينيَّة على المسبَّب ما دامت في طول إمضاء المسبَّب -أي في طول المسبَّب الشرعي- صارت القدرة التكوينيَّة متأخّرة، والمسبَّب الشرعي متوقّف على القدرة، فهي بلحاظ آخر أخذت في الموضوع فتكون متقدّمة، وعليه تكون متقدّمة ومتأخّرة.
الاحتمال الثالث: السلطنة بمعنى القدرة الاعتباريّة وليس القدرة التكوينيَّة، بمعنى اعتبار كون الإنسان مختاراً شرعاً في أن يفعل وأن لا يفعل، نظير اعتبار الملكيّة والولاية، كما في جواز تصرّف الوليّ في مال ولده.
وهذا لا مانع من اعتباره في صحّة المعاملة، ولكن لا دليل عليه، بل هو مخالف لإطلاق قوله تعالى: {أحَلَّ اللهُ البَيعَ}(البقرة:275)، وعلى فرض تماميَّة هذا الركن يقال بأنَّ تحريم المسبَّب لا يُبطل هذا الركن؛ لأنّ اعتبار السلطنة وجعل الحرمة على المسبَّب أمران اعتباريّان وجوديان لا تنافي بينهما؛ لأنَّ الاعتبارات بما هي هي لا منافاة بينها، بل لا منافاة بينهما بلحاظ آثارهما، فإنّ أثر اعتبار الحرمة هو استحقاق العقاب، وأثر اعتبار السلطنة هو ترتّب الأثر وهو التمليك، "وعليه، فاعتبار الحرمة لا ينفي اعتبار السلطنة ليقال: إنّ النهي عن المعاملة بمعنى المسبَّب، يقتضي بطلانها، لانتفاء اعتبار السلطنة الذي هو ركن في الصحة"([8]).
الوجه الثاني: إنّ النّهي عن المسبَّب يكشف عن مبغوضيّة الشارع لهذا المسبَّب، وكونه ذا مفسدة، ومع كونه مبغوضاً لا يكون ممضى من قبل المولى، ومع عدم إمضائه منه يكون باطلاً.
ويترتَّب على هذا المعنى حصول التهافت بين إمضاء السبب والنّهي عن المسبَّب لذلك السبب.
وبعبارة أخرى يقال: بأنّ النّهي عن المسبَّب يكشف عن مبغوضيّته شرعاً، سواء أكان المنهي عنه خصوص المسبَّب الشرعي أم الجامع بين المسبَّب الشرعي وبين المسبَّب العقلائي؛ لأنّ مبغوضية الجامع مبغوضية انحلالية تسري إلى الأفراد أيضاً.
فإذا كان المسبَّب الشرعي مبغوضاً للشارع، فلا بدّ وأن ينزجر المكلّف عن فعله، وذلك عن طريق رفع المقتضي لتحقّقه في الخارج بأنْ لا يجعل السببيّة كي لا يثبت المسبَّب عند ثبوت السبب، فالنّهي عن المسبَّب يكشف عن عدم جعل السببية، وهو معنى البطلان([9]).
ونوقش: بالقول بعدم التهافت بين إمضاء السبب والنهي عن المسبَّب؛ وذلك لنكتة الجمع بين الملاكين في إمضاء المعاملة والنهي عن المسبَّب، فهناك جعل من قبل الشارع على نحو القضيّة الحقيقيّة وهو إمضاء البيع وصحته لقوله تعالى: {أحَلَّ اللهُ البَيعَ}، ولهذا الجعل ملاك يشمل بإطلاقه هذه المعاملة الخارجية المنهي عنها.
ولكنْ من جهة أخرى يوجد نهي ومفسدة تعلّقت بالمسبَّب المحرّم، ولكي يحافظ الشارع على كلا الملاكين يقدّم الأهم ملاكاً وهو الإمضاء للعقد على فساده، ولكنْ من جهة أخرى يعاقب المكلّف على عدم انزجاره، وبهذا قد حافظ على جهة المصلحة والمفسدة، كما في مثال النهي عن بيع المصحف على الكافر، فهنا يمضي البيع على نحو القضيّة الحقيقيّة مراعاة لجانب المصلحة الأهمّ، وينهى عن الإيجاد التسبيبيّ لانتقال المصحف إلى الكافر تخلّصاً من المفسدة([10]).
الوجه الثالث: دلالة الروايات عليه، كرواية زرارة عن الباقرg عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده. فقال: >ذَلِكَ إِلَى اَلسَّيِّدِ إِنْ شَاءَ أَجَازَهُ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا<. فَقُلْتُ: أَصْلَحَكَ اَللَّهُ إِنَّ اَلْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ وَإِبْرَاهِيمَ اَلنَّخَعِيَّ وَأَصْحَابَهُمَا يَقُولُونَ: إِنَّ أَصْلَ اَلنِّكَاحِ فَاسِدٌ فَلاَ تُحِلُّ إِجَازَةُ اَلسَّيِّدِ لَهُ. فَقَالَ: >إِنَّمَا عَصَى سَيِّدَهُ وَلَمْ يَعْصِ اَللَّهَ، فَإِذَا أَجَازَهُ لَهُ فَهُوَ جَائِزٌ<([11]).
فإنّ ظاهر الرواية أنّ نكاح العبد ليس باطلاً من أصله، بحيث لا ينفع معه تعقّب الإجازة، وإنّما هو باطل إذا لم تتعقّبه الإجازة، كما هو مفهوم الكلام، فلو كان عاصياً للّه جلّ ذكره لكان النكاح باطلاً من أصله.
وظاهر العصيان في الرواية، هو العصيان التكليفيّ وليس العصيان الوضعيّ -بمعنى الإتيان بالمعاملة الفاسدة- إذ إنّ العصيان الوضعي ليس في الحقيقة عصياناً وتمرّداً على المولى، فلا بدّ وأن يكون المقصود هو أنّ العصيان التكليفيّ هو الذي يوجب فساد النكاح، وهذا يعني أنّ النكاح لو كان منهياً عنه لوقع باطلاً، وهذا هو معنى أنّ النهي عن المعاملة يوجب الفساد.
وأشكل المحقّق الآخوندS على هذا الاستدلال: بأنّ العصيان كما يطلق على مخالفة الحكم التكليفيّ كذلك يطلق على مخالفة الحكم الوضعيّ والشروط الوضعيّة، باعتبار أنّه مخالفة لما يفترضونه من مقرّرات، فمن لم يعمل بهذه المقرّرات يعد عاصياً عرفاً، فالرواية وإن كانت ظاهرة في العصيان بمعنى مخالفة الحكم التكليفيّ إلا أنّ المراد به هنا مخالفة الحكم الوضعيّ؛ وذلك لقرينة إطلاق المعصية على الإتيان بالمعاملة بدون إذن سيّده، فهو لم يخالف الشارع المقدّس بهذا العقد، وعليه لم يخالف الحكم التكليفيّ، فلا تكون ظاهرة في كون المخالفة للحكم التكليفيّ يوجب الفساد([12]).
القول الثاني: النّهي عن المسبَّب يقتضي صحة المعاملة
حيث ذكر الشيخ الأعظمS ما نصّه: "حُكي عن أبي حنيفة والشيباني دلالة النهي على الصحة، والمنقول عن نهاية العلامة التوقَّف، ووافقهما فخر المحقّقين في نهاية المأمول وأحال الأمر على شرح التهذيب"([13]). وهذا أيضاً ما ذهب إليه صاحب الكفاية([14])،والشهيد الصدر([15])S.
واستُدلّ لهذا القول بجملة من الأدلّة منها:
الدليل الأول: وبيانه في مقدّمتين:
المقدمة الأولى: إنّ نفس النهي عن المسبَّب دليل على صحة هذا المسبَّب لو حصل سببه؛ باعتبار أنّ النهي زجر عن الإتيان بالفعل المبغوض، وهو لا يتعلّق إلا بالمقدور للمكلّف، فلو لم يكن مقدوراً لما صحّ توجيه النهي للمكلّف.
المقدمة الثانية: لا يكون المسبَّب مقدوراً -بحيث يكون متعلّقاً للنهي- إلا في حالة صحة العقد لا بطلانه، وعليه لا معنى لأن ينهى عن العقد الفاسد، وهذا يعني صحته؛ للمساوقة بينهما.
وأورد عليه السيد الخوئيS: بأنّ النهي -بناءً على مبناه من حقيقة الإنشاء- ليس عن المسبَّب الشرعيّ والملكية الشرعية كما توهّم أبو حنيفة والشيبانيّ وغيرهما، وإنّما النهي عن (الاعتبار المُبرَز)، وهو مقدور لدى المكلّف، وبالتالي النهي في المعاملة يكون عن أمر مقدور وليس عن الملكيّة غير المقدورة، فلا يقتضي النهي الصحةَ ولا الفساد([16]).
الدليل الثاني: ما أشار له المحقّق القمي¤ وناقشه، وحاصله في مقدّمتين:
المقدمة الأولى: إنّ ألفاظ العبادات والمعاملات موضوعة لخصوص الصحيح وليس للأعم من الصحيح والفاسد، فإذا ورد لفظ الصلاة أو لفظ البيع في النصوص الشرعية فإنّه يحمل على الصحيح، إلا مع قرينة على استعماله في الأعمّ من الصحيح والفاسد.
المقدمة الثانية: إذا نهى الشارع عن العبادة أو عن المعاملة فإنّ مقتضى الوضع لخصوص الصحيح هو أنّ النهي تعلّق بالصحيح منهما، لا بالأعمّ من الصحيح والفاسد.
وأشكل عليه:
أولاً: بعدم تماميَّة كون الوضع لخصوص الصحيح من ألفاظ العبادات والمعاملات.
ثانياً: سلّمنا بوضعها لخصوص الصحيح، ولكنّ هذا لا يعني وجود الملازمة بين كون ألفاظ العبادات والمعاملات موضوعة لخصوص الصحيح وبين دلالة النهي على الصحة. ولهذا قال: "أفرط أبو حنيفة و صاحباه فقالا بدلالة النّهي على الصحّة و هو في غاية الظهور من البطلان لأنّ النهي حقيقة في التحريم و ليس ذلك عين الصحّة و لا مستلزما لها بوجه من الوجوه" ([17]).
القول الثالث: النهي عن المسبَّب لا يقتضي فساد المعاملة ولا صحتها، وهو ما ذهب إليه السيد البروجرديS([18])، والسيد الخوئيS([19]) .
والوجه في ذلك أنّه لا ملازمة بين أن يكون المسبَّب مبغوضاً وبين فساد المعاملة، فما دامت الشرائط متحقّقة وكذلك الصيغة ترتّب الأثر وإن كان المسبَّب مبغوضاً؛ لأنه ليس من سنخ العبادات المتقوّمة بقصد القربة، فالمدار لتحقّق المعاملة وترتّب أثرها تحقّق صيغتها وشرائطها.
وبناءً على هذا القول نحتاج إلى الأصل اللفظي (أوفوا بالعقود) لتصحيح المعاملة.
هذا تمام الكلام في النحو الثاني.
النحو الثالث: النهي عن الأثر المترتّب على المسبَّب
كقوله: >ثمن العذرة سحت<، ونحوه من التحريمات المتعلّقة بالآثار، حيث إنّ هذه النواهي تدلّ على حرمة التصرّف بهذا الثمن، والتصرّف من آثار المسبَّب وهو التمليك، أو التصرّف في المثمن كما في النهي عن التصرّف في الخمر، فهل هذا النهي يدل على فساد المعاملة؟
يقال: بأنّ النهي يدلّ على فساد المعاملة، والدليل على فسادها هو نفس الدليل الذي تكفّل نفي آثار هذه المعاملة، فمثلاً من موارد هذا النحو حرمة التصرّف في ثمن معاملة بيع الخمر، فعن مُحَمَّد بْن عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَg: >أَجْرُ اَلزَّانِيَةِ سُحْتٌ، وَثَمَنُ اَلْكَلْبِ اَلَّذِي لَيْسَ بِكَلْبِ اَلصَّيْدِ سُحْتٌ، وَثَمَنُ اَلْخَمْرِ سُحْتٌ، وَأَجْرُ اَلْكَاهِنِ سُحْتٌ، وَثَمَنُ اَلْمَيْتَةِ سُحْتٌ، فَأَمَّا اَلرِّشَا فِي اَلْحُكْمِ فَهُوَ اَلْكُفْرُ بِاللَّهِ اَلْعَظِيمِ<([20]). فالنهي تعلّق بالأثر المترتّب على الخمر وهو شربه، وكذلك تعلّق بعمل الكاهن وكهانته، والسحت يعني الحرام، فهذا نهي عن جميع آثار المسبَّب، وهذا النهي يدلّ على بطلان البيع بالدلالة العقليّة الالتزاميّة.
وإن شئت قلت: توجد جملة من الفروض في هذا الدليل النافي لآثار المعاملة، منها:
الفرض الأول: أن يفرض أنّ الحرمة التي يوجبها النهي في المقام، توجب عدم ترتّب أيّ أثر من الآثار التي يترقّب ترتّبها على المسبَّب، بحيث لو حكم بصحة المعاملة لكان هناك مسبَّب بلا أيّ أثر شرعي عملي، بمعنى أنّه لو حصل التمليك لما ترتّب عليه أيّ أثر من آثاره كجواز بيعه، وهبته، ونحو ذلك. فالنهي رفع تمام آثار هذه المعاملة، كما في النهي عن بيع الخمر.
وحينئذٍ يكون نفس هذا الدليل النافي لآثار هذه المعاملة دالاً على بطلان المعاملة؛ لأنّ الحكم بصحة المعاملة -هذا الحكم الوضعيّ- متوقّف على وجود الأحكام التكليفيّة بحيث تنتزع منها؛ باعتبار أنّ الأحكام الوضعيّة تابعة للأحكام التكليفيّة في أصل جعلها، وحيث إنّ جميع الأحكام التكليفيّة قد نفيت بسبب النهي عن آثار هذه المعاملة، فلا مجال لانتزاع الحكم الوضعي -وهو الصحة- ويبقى الأصل وهو الفساد.
الفرض الثاني: أنْ يُفرض أنَّ دليل الحرمة لا ينفي تمام الآثار، وإنّما ينفي الأثر الأساسيّ والركنيّ الذي تلازمه -عرفاً- سائر الآثار. كما قد يقال في النهي عن الكهانة، حيث إنّ الأثر المنهي عنه هو الإخبار عن المستقبل، وأمّا بقية الآثار تبع له، فقد ورد عن إسحاق بن إبراهيم عن نصر بن قابوس قال: سمعت أبا عبد اللهg يقول: >المنجم ملعون والكاهن والساحر ملعون، والمغنية ملعونة، ومن آواها ملعون، وآكل كسبها ملعون<([21]).
والدليل على البطلان هنا هو نفس الدليل الدالّ على نفي أثر هذا الركن الأساسي الذي تلازمه تلك الآثار، فالدلالة الالتزاميّة لنفي هذا الركن الأساسيّ نفي جميع الآثار الملازمة له عرفاً، ضرورة انتفاء اللازم عند انتفاء ملزومه، وبانتفاء هذه الآثار ينتفي الحكم الوضعيّ -الصحة- ونرجع للأصل وهو الفساد([22]).
هذا كلّه إذا أُحرز تعلّق النهي بأحد هذه الأنحاء الثلاثة: السبب أو المسبَّب أو الأثر المترتّب على المسبَّب، وأمّا مع الشكّ في نحو النهي عن المعاملة فإنّه يحمل على النحو الثالث المساوق لفسادها، فإذا ورد مثلاً (لا تبع ما ليس عندك) وأُحرزت حرمة النهي، فإنّه يفهم منه أنّها متعلّقة بالبيع باعتبار ترتيب الآثار، والمبغوض هو العمل على طبقه كسائر معاملاته، ولا ينقدح في ذهن العرف حرمة التلفّظ بالألفاظ الخاصّة؛ لأنّها آلات لا ينظر إليها.
وكذلك لا ينقدح في أذهانهم حرمة المسبَّب الّذي هو أمر اعتباريّ لا يكون مبغوضاً نوعاً، ولا التسبّب بها إلى المسبَّب كذلك، بل ما ينقدح في أذهانهم هو الزجر عن المعاملة على نحو سائر المعاملات من ترتيب الأثر عليها، فالنهي متوجّه إلى المعاملة باعتبار ترتيب الآثار وهو مساوق للفساد([23]).
النقطة الثالثة: بيان بعض موارد المعاملة المنهي عنها باعتبارها من موارد التسبيب إلى الحرام
تقدّم أنه من أقسام النهي عن المعاملة النهي عنها بلحاظ انطباق عنوان محرّم عليها، باعتبار صدق عنوان التسبيب إلى الحرام عليها، وهذا موجب لحرمتها حرمة تكليفية ووضعية، وهنا موارد متعدّدة يمكن اندراجها تحت عنوان التسبيب إلى الحرام المستلزم لبطلانها.
المورد الأول: بيع المصحف على الكافر
ذكر غير واحد من الأعلام حرمة بيع المصحف على الكافر، وهو ما نسبه الشيخ الأعظمS إلى المشهور: "ثمّ إنّ المشهور بين العلامة رحمه الله ومن تأخّر عنه عدم جواز بيع المصحف من الكافر على الوجه الذي يجوز بيعه من المسلم، ولعله لفحوى ما دل على عدم تملك الكافر للمسلم وأنّ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه"([24])، وكذلك يحرم تمكينه منه حرمة تكليفية ووضعية.
فبناءً على أنّ الكافر مكلّف بالفروع، وباع المكلّف القرآن على الكافر وتمكّن الكافر منه، فهذه المعاملة تسبيب للحرام الواقعي وهو تمكّن الكافر من القرآن، وكذلك الكلام بالنسبة إلى شراء العبد المسلم، ومنه أيضاً استئجار الكافر لكتابة القرآن الكريم المستلزم لمسّه لخطّ القرآن.
ولكنّ هذا المورد وقع محلّ خلاف، فقد ذهب بعضهم([25]) إلى عدم بطلان البيع وإن كان قد ارتكب إثماً ببيعه، ولا ملازمة بين النهي والفساد؛ بالإضافة إلى أنّ هذا المورد من موارد النهي عن المسبَّب من النقل والانتقال لا من آثار المسبَّب ليحكم بالفساد.
كما لا يخفى الفرق بين عنوان تملّك الكافر للقرآن بهذه المعاملة وبين عنوان تمكينه منه، فلا ملازمة بينهما، كذلك لا ملازمة بين تمكينه من القرآن وبين إهانته له، فقد تكون هبته للقرآن سبباً لهدايته، نعم يحرم -التمكين- لو كان ذلك موجباً لتنجّسه أو هتكه لحرمة القرآن، ولكنّ هذا غير عنوان الملكية الحاصلة من البيع ونحوه([26]).
المورد الثاني: بيع المحرّم على من لا يعلم بكونه محرّماً
كالنهي عن بيع الميتة على من لا يعلم بكونها ميتة، فيستعمله المشتري في الأكل مثلاً جهلاً منه بحرمته. فالمعروف والمشهور بين الأصحاب حرمة بيعها؛ مستندين في ذلك على جملة من الأخبار، منها ما ورد عن الإمام الباقرg >ثمن الميتة سحت<([27])، وغيرها من الروايات.
وكذلك الكلام في حرمة بيع العصير العنبي الذي غلا ولم يذهب ثلثاه، فإنه بعد ذلك يحرم شربه ويحرم أيضاً المعاوضة عليه -كما عليه صاحب مفتاح الكرامة([28]) وجماعة- على من يريد شربه جهلاً منه بحاله، وكذلك بالنسبة إلى الماء والطعام المتنجّس.
نعم ذكر الشيخ الأعظمS جواز بيعه وإن غلا ولم يذهب ثلثاه، ثم قال: ولم أجد مصرّحاً بخلاف ذلك([29])، وقد حمل الروايات الناهية عنه على النهي الإرشادي بمعنى كونه إرشاداً إلى نجاسته، بل وإلى اشتراط إعلام المشتري بذلك كسائر الأعيان النجسة أو المتنجّسة المشروطة بالإعلام، ولكن عدم فساد المعاملة لا يعني عدم الحرمة التكليفيّة للتسبيب إلى الحرام بهذه المعاملة.
المورد الثالث: النهي عن بيع الخمر لما يترتَّب عليه من آثار محرّمة
فبيع الخمر يعد تسبيباً لشربه وحمله ونقله وغيرها من الآثار المحرّمة، کما لو افترضنا أنّ شاربه وناقله وحامله لا يعلم بكونه خمراً فيكون من باب التسبيب إلى الحرام. فهذا النهي يقتضي فساد المعاملة بالدلالة الالتزامية.
فقد ورد عن زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ آبَائِهِi قَالَ: >لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِe اَلْخَمْرَ وعَاصِرَهَا ومُعْتَصِرَهَا وبَائِعَهَا ومُشْتَرِيَهَا وسَاقِيَهَا وآكِلَ ثَمَنِهَا وشَارِبَهَا وحَامِلَهَا واَلْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ<([30]).
المورد الرابع: النهي عن المعاملة على هياكل العبادة
كالصليب والصنم وآلات القمار، فيحرم بيعها وشراؤها وأخذ الأجرة على صنعها وتعليم الغير عليها، لما يترتَّب على ذلك من آثار محرّمة شرعاً، فتكون المعاملة عليها بشتّى أنواعها من باب التسبيب إلى إيجاد تلك الآثار المحرمة في الخارج، وعليه تحرم وضعاً وتكليفاً، للدلالة الالتزامية لدليل تحريم آثارها، ففي معتبرة ابن أُذينة، قال: كتبتُ إلى أبي عبد اللهg أسألُه: .. وعن رجلٍ له خشبٌ فباعه ممّن يتَّخذه صلباناً؟ قال: >لا<([31]). فإذا كان بيع الخشب ممَّن يجعل منه صلباناً محرَّماً فبيع الصلبان نفسها يكون محرَّماً بالأولوية القطعيَّة.
وممّا يؤيّده قيام السيرة القطعية المتّصلة إلى زمان المعصومgعلى حرمة بيع هياكل العبادة، وكذلك وجوب إتلافها حسماً لمادّة الفساد، كما أتلف النبيe وأمير المؤمنينg أصنام مكّة، فإنّه لو جاز بيعها لما جاز إتلافها([32]).
المورد الخامس: النهي عن استئجار المغنّية وكذلك عن تعليم الغناء
فعن مُحَمَّد بْن عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ قَالَ: رُوِي: >أَنَّ أَجْرَ اَلْمُغَنِّي واَلْمُغَنِّيَةِ سُحْتٌ<([33])، والنهي فيها نهي عن الأجرة وهو ليس نهياً عن المعاملة، ولكنّ لازمه عرفاً فساد المعاملة. وعَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِg قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ بَيْعِ اَلْجَوَارِي اَلْمُغَنِّيَاتِ، فَقَالَ: >شِرَاؤُهُنَّ وبَيْعُهُنَّ حَرَامٌ، وتَعْلِيمُهُنَّ كُفْرٌ، واِسْتِمَاعُهُنَّ نِفَاقٌ<([34]).
فقد يقال بأنّ استئجار المغنّية للغناء سبب للوقوع في الحرام الواقعيّ، بحيث يحضر المستمعون إلى مجلس الغناء للاستماع وهو حرام، وكذلك المعاملة على تعليم الجارية على الغناء وعلى شرائها إذا كان لأجل الغناء المحرّم، فهذه المعاملات محرّمة يترتَّب عليها الوقوع في الحرام.
[الخاتمة]
والحاصل من مجموع ما تقدّم: أنّ هناك ثلاثة أنحاء للنهي عن المعاملة، ولا خلاف في أنّ النحو الأول -النهي عن السبب والصيغة- لا يوجب الفساد، ولا خلاف في أنّ النحو الثالث- النهي عن آثار المسبَّب- يوجب الفساد بمقتضى الدلالة الالتزامية العقليّة لدليل النهي عنها، وأما النحو الثاني -النهي عن المسبَّب من النقل والانتقال- فقد اختلفوا على أقوال ثلاثة، ومع الشك في نحو النهي المتعلّق بالمعاملة فإنه يحمل على ثالث الأنحاء المساوق لفساد المعاملة.
كما أنه لا ملازمة بين كون المعاملة من مصاديق التسبيب إلى الحرام وبين فسادها، فقد تكون فاسدة كما لو كانت آثارها محرّمة، وقد تكون غير فاسدة كما لو انصبَّ النهي على خصوص المسبَّب.
والحمد لله ربّ العالمين.
([1]) موسوعة الإمام الخوئي، أبوالقاسم، الخوئي، ج35، ص42.
([2]) لمحات الأصول، حسين، البروجردي، ص256.
([3]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن، الحر العاملي، ج17، ص102.
([4]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن، الحر العاملي، ج17، ص100.
([5]) أجود التقريرات، محمد، النائيني، ج2، ص404.
([6]) فوائد الأصول، محمد علي، الكاظمي، ج1، ص292.
([7]) بحوث في علم الأصول، محمد باقر، الصدر، ج3، ص130.
([8]) انظر: بحوث في علم الأصول- عبدالساتر-، محمد باقر، الصدر، ج6، ص561.
([9]) بحوث في علم الأصول- عبدالساتر-، محمد باقر، الصدر، ج6، ص559.
([10]) بحوث في علم الأصول- عبدالساتر-، محمد باقر، الصدر، ج6، ص557.
([11]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن، الحر العاملي، ج14، ص523.
([12]) كفاية الأصول، محمد كاظم، الخراساني، ص188.
([13]) مطارح الأنظار، مرتضى، الأنصاري، ج1، ص763.
([14]) كفاية الأصول، محمد كاظم، الخراساني، ج187.
([15]) بحوث في علم الأصول، محمد باقر، الصدر، ج3، ص130.
([16]) انظر: محاضرات في الأصول، أبوالقاسم، الخوئي، ج4، ص171.
([17]) انظر: قوانين الأصول، الميرزا أبوالقاسم، القمي، ص163.
([18]) لمحات الأصول، حسين، البروجردي، ص255.
([19]) محاضرات في الأصول، أبوالقاسم، الخوئي، ج4، ص171.
([20]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن، الحر العاملي، ج17، ص94.
([21]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن، الحر العاملي، ج17، ص143.
([22])انظر: بحوث في علم الأصول- عبدالساتر-، محمد باقر، الصدر، ج6، ص563.
([23]) انظر: الخميني، روح الله، مناهج الوصول، ج2، ص163.
([24]) المكاسب المحرمة، مرتضى، الأنصاري، ج2، ص161.
([25]) جواهر الكلام، محمد حسن، النجفي، ج22، ص126.
([26]) إرشاد الطالب في شرح المكاسب، جواد، التبريزي، ج2، ص169.
([27]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن، الحر العاملي، ج17، ص94.
([28]) مفتاح الكرامة فشرح قواعد العلامة، سيد جواد، العاملي، ج4، ص12.
([29]) كتاب المكاسب، مرتضى، الأنصاري، ج1، ص62.
([30]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن، الحر العاملي، ج5، ص375.
([31]) وسائل الشيعة، محمد بن الحسن، الحر العاملي، ج17، ص177.
([32]) انظر: موسوعة الإمام الخوئي، أبوالقاسم، الخوئي، ج35، ص234.
([33]) موسوعة الإمام الخوئي، أبوالقاسم، الخوئي، ج17، ص307.
([34]) موسوعة الإمام الخوئي، أبوالقاسم، الخوئي، ج17، ص124.

0 التعليق
ارسال التعليق