الملخَّص:
تعرَّض الكاتب حول موضوع المعاشرة بالمعروف مع الزوجة بناء على الحديث المشهور>خيركم خيركم لأهلِه< إلى ثلاث نقاط رئيسة، ففي الأولى بيَّن معنى المعروف في اللغة والروايات وكلمات العلماء، ثمَّ ذكر في الثانية خمسة أمور تتعلَّق بوجه الربط بين الخيرية وبين المعاشرة بالمعروف مع الزَّوجة، وفي النُّقطة الثالثة ذكر سبعة نماذج مهمَّة كتطبيقات عملية تحقِّق مفردة المعاشرة بالمعروف مع الزوجة والأهل معتمداً في ذلك على الرِّوايات الشريفة.
مقدِّمة:
جاء في الخبر عن رسول اللهe أنَّه قال: >خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي<([1]).
لقد حثَّ الإسلامُ على إكرام الزَّوجة، والإحسان إليها، ومعاشرتها بالمعروف، وتكلَّم في ذلك حتى في أبسط المصاديق وأصغرها، ثمَّ جعل ذلك ميزاناً للخيرية والأفضلية كلّما استزاد الزوج في تحقيقه، ودقّق في تفاصيله، وهذا ما أريد أن أقف عليه في ثلاث نقاط:
النُّقطة الأولى: المقصود من المعاشرة بالمعروف
استعمل القرآن الكريم كلمة (المعروف) تسعاً وثلاثين مرَّة، إضافةً إلى قوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}([2]) الذي هو بمعنى المعروف، فيكون قد ذكر هذا المعنى أربعين مرة، منها ما يخصّ شأن الزوجين سبع عشرة مرة -فيما أحصيت-، بينما أمر بمصاحبة الأبوين معروفا -على عظمة شأنهما وأهمية وخطورة شأنهما- مرَّة واحدة، ومن بين السبع عشرة مرَّة من ذكر المعروف بين الزوجين، أربع عشرة مرَّة منها كانت المطالبة بلزوم المعروف فيها منصبّةً على الزوج مباشرة، ومع تأمُّل هذا التعداد لهذه الكلمة في هذا الشأن، يمكن أن يُقال: إنَّ المعاشرة بالمعروف هي القاعدة الأساسية التي تحدِّد سَمْت التعامل بين الزوجين قرآنياً، بحيث لا يقبل الله تعالى بالعدول عنها مطلقاً، سواء حال الإمساك، أو حال المفارقة.
قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}([3])، وقال: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}([4])، وقال سبحانه: {وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ}([5])، وقال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}([6])، وقال: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}([7])، وقال: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ الله هُزُوًا}([8])، كما قال -عزّ من قائل- مذكراً: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}([9]).
فالملحوظ في القرآن أنَّه يطالب ويوصي الزوج أن يعامل الزوجة بالمعروف في جميع مفاصل الحياة الزوجية، بحيث يمكن أن يُفهَم أنَّه قد اعتبر ذلك أساساً لا تنازل عنه حتى حال الانفصال وفكّ العلقة، فإنَّه يريدها عن معروفٍ أيضاً -بل عن إحسان- رغم ما يكتنفها عادةً من مشاحنات وخلافات، والسُّؤال: ما هو المعروف الذي جُعِل كذلك؟
قال الراغب في مفرداته: "ويضادّ المَعْرِفَةُ: الإنكار..، والمَعْرُوفُ: اسمٌ لكلّ فعل يُعْرَفُ بالعقل أو الشّرع حسنه، والمنكر: ما ينكر بهما.. والعُرْفُ: المَعْرُوفُ من الإحسان"([10]).
وقال المصطفوي في التحقيق: "مقا - عرف: ..أصلان صحيحان، يدلّ أحدهما على تتابع الشيء متّصلا بعضه ببعض، والآخر على السكون والطمأنينة.. والعرف: المعروف، وسُمِّي بذلك لأنّ النفوس تسكن إليه.. [وفي مصباح اللغة للفيومي]: وأمرت بالعرف، أي: بالمعروف، وهو: الخير والرفق..
والتحقيق: .. والمعروف: الَّذي يُعرف، ويُطَّلع عليه، ويتميّز عمّا سواه في قبال المنكر المجهول من جهة الآثار والخصوصيّات، وهذا يلازم المستحسن المطلوب عند العقل بحيث يعرفه العقل ولا ينكره، والعرف هو: ما يبدو ويعلو ويعرف في قبال النكر..، فالمعروف ما يكون متميّزا ومشخّصا في نفسه ومن حيث هو أو عند شخص وفي نظره.
والمراد من المعروف في نفسه: أن يكون معروفا في الحقيقة وفي متن الواقع بحيث يقبله العقل السالم، ويعترف به، ويميّزه، ثمّ يعرفه الشرع موافقا للعقل وتبعا للحقّ..
وعلى هذا يُستعمَل المعروف في جميع موارد الخير والصلاح والفلاح والمستحسن والفريضة والجميل.. فالمعروف له مفهوم كلّ ينطبق على كلّ مورد، ويختلف خصوصيّة مفهوم باختلاف الموارد..، وأمّا الصبر والسكون والطمأنينة: فهي من آثار المعرفة"([11]).
وقال العلامة الطباطبائي في الميزان: "المعروف هو: الذي يعرفه الناس بالذوق المكتسب من نوع الحياة الاجتماعية المتداولة بينهم..، فالمعروف تتضمّن هداية العقل، وحكم الشرع، وفضيلة الخلق الحسن وسنن الأدب، وحيث بنى الإسلام شريعته على أساس الفطرة والخلقة، كان المعروف عنده هو الذي يعرفه الناس إذا سلكوا مسلك الفطرة، ولم يتعدّوا طور الخلقة"([12]).
وقالN: "والعرف هو: ما يعرفه عقلاء المجتمع من السّنن والسير الجميلة الجارية بينهم، بخلاف ما ينكره المجتمع، وينكره العقل الاجتماعي من الأعمال النادرة الشاذة"([13]).
والحاصل من كلّ ما ذُكِر: أنَّ المعروف هو ما يُسكَن ويُطمَأَنّ إليه لتشخّصه ووضوحه في نفسه، وكونه مألوفاً، وذلك يكون مستمَدًّا أولاً من حقّانيته في نفس الواقع، وثانياً: في نظر الناس؛ لكون نظرهم -لو خُلِّي والفطرة- متوافقاً مع هذا المعروف، فلا يُتنكَّر له، بل يكون مقبولاً مسكوناً إليه.
فالله سبحانه يأمر بأن يكون ميزان المعاشرة بين الزوجين هو المعروف بهذا المعنى، بأن يكون الحقُّ الفطري -السَّهل، اللين، الملازم للرفق- هو الحاكم في تصرفّاتهما مع بعضهما بعضاً، ولا شكَّ أن ذلك لا يكون إلا على أساس مستند تكوينيّ واقعيّ، وأنَّه ليس أمراً اعتبارياً محضاً، بمعنى أنَّ هذه المطالبة للزوجين –وللزوج بنحو آكد- بالمعاشرة بالمعروف يقتضيها أصل تكويني واقعي، ينبغي الرجوع إليه، والاحتكام عنده في كلِّ موردٍ خلاف -أو وفاق- بين الزوجين، ومتى ما كان الأمر كذلك بينهما، كانا ممتثلين لأمر الله تعالى.
ويزداد الأمر وضوحاً حينما يُوجَّه الأمر للزوج خاصَّة، فنرى -كما ذكرنا- أنَّ أغلب خطابات المعاشرة بالمعروف كانت موجّهة إليه بدرجة أولى، ثمَّ جاءت النصوص النبوية لتجعل مضمار المعاشرة بالمعروف سباقاً يكون معياراً للخيرية العامّة التي تتعلّق بشأن الزوجية وغيرها، فأفضل الناس هو من كان أفضل وخيراً لزوجته وعياله، فما هو وجه الربط بين الخيرية العامّة، وبين أن يكون أحدنا هو الأفضل لزوجته وعياله؟ من هنا أنتقل إلى النقطة الثانية.
النقطة الثانية: وجه الربط بين الخيريّة والمعاشرة بالمعروف
وهنا عدَّة أمور:
أولا: روايات تبيّن الخيرية
وردت عدّة روايات تبيّن أنَّ معيار خيريّة الرجل هو من يكون الأفضل بالنسبة إلى أهله، وبناته، ونسائه، وزوجته، وعياله، ومن ذلك:
- ما عن النبي e: >خَيرُكُم خَيرُكُم لِنِسائِهِ، ولِبَناتِهِ<([14]).
- وعنه e: >أحسن الناس إيمانا أحسنهم خلقا، وألطفهم بأهله، وأنا ألطفكم بأهلي<([15]).
- وعنه e: >خيرُ الرِّجال من أمتي الذين لا يتطاولون على أهليهم، ويحنّون عليهم، ولا يظلمونهم<([16]).
- وعنه e: >خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي<([17]).
- وعن أمير المؤمنين g: >خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، ما أكرم النساء إلَّا كريم، ولا أهانهنَّ إلاّ لئيم<([18]).
- وعن الباقر g: >إنَّ أكرمكم أشدّكم إكراماً لحلائلهم<([19]).
- وعن السجاد g: >أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله<([20]).
- وعن النبي e: >عيالُ الرجل أسراؤه، وأحبُّ العباد إلى الله تعالى أحسنهم صنعا إلى أسرائه<([21]).
ثانيا: مستند المعاشرة بالمعروف (الإيمان والدين)
1) لقد اعتبر الإسلام الزَّواج ميثاقاً غليظاً، وغلظته في تحقيق المعاشرة بالمعروف، أو التسريح بمعروف وإحسان أيضاً، وهذا هو الذي ورد عن إمامنا الباقرg في تفسير الزواج كـ(ميثاق غليظ).
2) ومن هنا نفهم: أنَّ المستند الذي ترجع إليه المعاشرة بالمعروف، بحيث يحقّقها فعلاً في المعاملة بين الزوجين، هو نفسه المستند الذي أرجع إليه الإسلام في اختيار مصداق المعاقدة في هذا الميثاق الغليظ، وهي الزوجة.
وبعبارة أخرى: إنَّ الإسلام إذا بيَّن أساساً للازدواج والاختيار لعقد هذا الميثاق الغليظ، فإنَّه يضمن أنَّ ما بعده -من مطالبته بالمعاشرة بالمعروف- سوف يكون متاحاً بالبناء على نفس ذلك الأساس.
3) ومع اتضاح هذا الأمر، فإنَّه من الواضح جدّاً -والذي ورد مكرَّرا عنهم i هو أنَّ مستند ومعيار الاختيار هو الإيمان، والتمسّك بالدين، وأنّ أيّ معيارٍ آخر -يكون مستنَداً لعقد هذا الميثاق الغليظ المسمّى بالنكاح- لا قابلية فيه لوحده أن يحقّق المعاشرة بالمعروف أبداً.
4) وأُسُس الاختيار المعروفة في هذا الشأن عقلائياً ودينياً هي: (المال، والجمال، والحسَب، والدين)، وقد نهى الإسلام عن أن يكون الطلب من أجل أحد الثلاثة الأُوَل فحسب؛ وذلك أنَّ: >من وادّك لأمرٍ ولّى عند انقضائه<([22]) كما عن الأمير (عليه السلام)، ولهذا فإنَّ تصحيح مسار العشرة مستقبلاً بين الزوجين ينبغي أن يكون ملحوظاً ابتداءً في أصل اختيار الزوجة -وكذلك الزوج- على أساس الإيمان والتديّن، فإنْ كان حساب الله تعالى حاضراً في هذا الرّباط، ستكون العشرة بالمعروف لا محالة مهما كانت المنغّصات، ولا طريق آخر لذلك؛ لأنَّه لا سبب آخر قابلٌ للاستمرار أصلاً -مهما افترضته- إلا كان بعيداً عن الله الدائم، ولذلك فإنَّ اختيار الزوجة من أوّل الأمر على مقياس الدين ->عليك بذات الدين<([23])- والزوج كذلك ->من ترضون دينه وأمانته<([24])- هي الضمانة الكبرى لتحقيق العشرة بالمعروف.
جاء عن النبي e: >نهى أن تُنكح المرأة لمالها، وجمالها، وحسَبها، ودينها، فعليك بذات الدّين<([25])، وعنه e: >من نكح امرأة لمالها وجمالها، حُرم مالَها وجمالَها، ومن نكح للدين وفّق الله له الخير والجمال والكمال<([26])، والروايات في ذلك متعدِّدة.
ثالثاً: وجه الرَّبط بين الخيريّة والمعاشرة بالمعروف
يتّضح ممَّا تقدَّم أنَّ المعاشرة بالمعروف تنشأ عن الإيمان، فكلَّما زاد الإيمان تأكّدت المعاشرة بالمعروف، وهذا هو الوجه -عموماً- في الربط بين الخيريّة وبين المعاشرة بالمعروف؛ إذ إنَّ أفضلية الإنسان وخيريته على غيره تكون بمقدار إيمانه، وهو ما يُنتج المعاشرة بالمعروف، فهذه المعاشرة نتيجة للإيمان الذي هو معيار الأفضلية، فمن كان الأفضل فيها، كان الأفضل في الإيمان، فكان أفضل من غيره، فبيان الأفضلية هنا من باب بيانِها كسببٍ ببيان النتيجة والمسبَّب، هكذا على الإجمال.
وأمَّا التفصيل، فيمكن أن يقال في بيان الوجه:
1) إنَّ خيريّة الإنسان -بمعنى أفضليته حين المقايسة بينه وبين غيره- معيارها التقوى بحسب الرؤية الدينية، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}([27])، وجاء عن الأمير(عليه السلام): >إنَّ خيرَكم عند الله أتقاكم<([28]).
2) والتقوى كما ذكر المصطفوي في "التحقيق": "أنَّ الأصل الواحد في المادّة: هو حفظ الشيء عن الخلاف والعصيان في الخارج، وفي مقام العمل..، والجامع هو: صيانة الشيء عن المحرّمات الشرعيّة والعقليّة، والتوجّه إلى الحقّ، وإلى تطهير العمل، وإلى الجريان الطبيعيّ المعروف"([29])، فتلاحظ أنَّ التقوى هي المحافظة على النفس في طريق المعروف، بحيث يظهر ذلك في العمل، ولا يكون موطنه مخفيّاً في الجوانح والقلب فقط، فالتقوى هي الظهور العملي للاستقامة.
3) وظهور هذا الانحفاظ العملي للنفس على طريق المعروف موضعه الأوضح هو التواصل الاجتماعي بين الناس؛ حيث إنَّ ملاقاة الناس والتعامل معهم هو ما يحفّز الأخلاق سلباً وإيجاباً ليبرزها على سطح الواقع، حتى تكون ظاهرةً بالأعمال المتجانسة مع الكامن منها في القلب، وإلا لو تُرِك الإنسان وحده، فإنَّه لا يُعلَم مقدار سخائه، ولا شجاعته، ولا حلمه، ولا سماحته، ولا صلته، ولا إيثاره، ولا حكمته، ولا عفته، ولا مضادّات هذه الأخلاق أيضاً.
فالتقابل الاجتماعي للناس هو ما يحرِّك هذه الأخلاق لتفرز ما يتناسب مع سنخها الجوانحي من أعمال، ولهذا ابتدأت الآية الكريمة -في بيان معيارية الأفضلية وربطها بالتقوى- بذكر عنصر الاجتماع، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ}([30]).
4) ولهذا الظهور خصوصية في بذرة المجتمع الكبير، وهي البذرة المسماة بـ: (الأسرة)؛ لأنَّها أصل كلِّ تواصلٍ اجتماعي عام يكوّن المجتمع، ولهذا ابتدأت الآية في بيان عنصر الاجتماع أولا بقولها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى}، والرابط بينهما يكون بالزواج المكوّن لرابط الأسرة.
5) وقد بيّنت الآية أيضاً أنَّ هذا الانشعاب الخَلْقي المكوّن للمجتمعات {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ} الهدف منه: {لِتَعَارَفُوا}، والتعارف يكون بالمعروف المتواضع عليه اجتماعياً بناءً على الفطرة السليمة.
6) لا يتمُّ هذا التعارف المعروفي الفطري من نقطة الزواج إلا بتكامل الأدوار بين الزوجين؛ بحيث يعرف كلُّ واحدٍ منهما موقعه ليؤدّي وظيفته على أتمِّ وجهٍ بناءً على ملاحظة عنصر التكوين والخَلْق، وهو العنصر الذي يلاحَظ فيه ما جُهِّز به كلٌّ من الزوجين لتكميل الآخر من أجل المحافظة على الجريان الفطري الطبيعي المتلائم مع المعروف التكويني، وبذلك تكون التقوى الأسرية.
7) إذا تمَّ هذا التعارف المعروفي الفطري بين الزوجين في الأسرة، عمَّت هذه التقوى المجتمع لتكون هي الحاكمة على الأعمّ الأغلب، فيتحرّك بها المجتمع ككلّ وفق الجريان الفطري التكويني السليم، فانحفاظ وضع المجتمع تكويناً، يكون بانحفاظ وضع الأسرة أولاً.
النَّتيجة:
ومن جميع ما تقدّم يتّضح: أنَّ الخيريّة معيارها التقوى، والتقوى موضعها الظهور العملي، والظهور العملي لا يكون إلا بالتفاعل والتعاطي مع الآخر في المجتمع، وهذا التعاطي الاجتماعي نقطة الانطلاق فيه هي: الأسرة، فمن ظهرت تقواه في أسرته، ظهرت تقواه في المجتمع، ومن هذه التقوى الاجتماعية الجزئية، تتكامل حلقات التقوى الاجتماعية لتشكّل بنياناً مرصوصاً من تراكم هذه الحلقات، وعلى هذا الأساس يكون المعاشر لأهله بالمعروف داخل الدار، هو الأفضل من بين الناس؛ لأنَّه لا يحقّق الغرض الفردي من وجوده فحسب، بل إنَّه يسهم في تحقيق التقوى في بُعْدها الاجتماعي العام.
قال العلامة الطباطبائيS في "الميزان": "المعروف هو: الأمر الذي يعرفه الناس في مجتمعهم من غير أن ينكروه ويجهلوه، وحيث قُيِّد به الأمر بالمعاشرة كان المعنى: الأمر بمعاشرتهنَّ المعاشرة المعروفة بين هؤلاء المأمورين، والمعاشرة التي يعرفها الرجال ويتعارفونه بينهم أنَّ الواحد منهم جزء مقوِّم للمجتمع، يساوي سائر الأجزاء في تكوينه المجتمع الإنساني لغرض التعاون والتعاضد العمومي النوعي، فيتوجّه على كلٍّ منهم من التكليف أن يسعى بما في وُسْعه من السعي فيما يحتاج إليه المجتمع، فيقتني ما ينتفع به، فيعطي ما يستغني عنه، ويأخذ ما يحتاج إليه، فلو عُومل مع واحد من أجزاء المجتمع غير هذه المعاملة، وليس إلا أن يضطهد بإبطال استقلاله في الجزئية، فيُؤخَذ تابعاً يُنتفَع به، ولا ينتفع هو بشيء يحاذيه، وهذا هو الاستثناء.
وقد بيَّن الله تعالى في كتابه أنَّ الناسَ جميعاً رجالاً ونساءً فروع أصلٍ واحد إنساني، وأجزاء وأبعاض لطبيعة واحدة بشرية، والمجتمع في تكوّنه محتاج إلى هؤلاء كما هو محتاج إلى أولئك على حدٍّ سواء، كما قال تعالى: {بعضكم من بعض}([31])، ولا ينافي ذلك اختصاص كلٍّ من الطائفتين بخصلة تختصّ به، كاختصاص الرجال بالشدّة والقوّة نوعاً، واختصاص النساء بالرّقّة والعاطفة طبعاً، فإنَّ الطبيعة الإنسانية في حياتها التكوينية والاجتماعية جميعاً تحتاج إلى بروز الشدّة وظهور القوّة، كما تحتاج إلى سريان المودّة والرّحمة، والخصلتان جميعاً مظهرا الجذب والدفع العامّين في المجتمع الإنساني.
فالطائفتان متعادلتان وزناً وأثراً.. فهذا هو الحكم الذي ينبعث من ذوق المجتمع المتوسّط، الجاري على سنّة الفطرة من غير انحراف، وقد قوّم الإسلام أَوْد الاجتماع الإنساني، وأقام عوجه، فلا مناص من أن يجري فيه حكم التسوية في المعاشرة، وهو الذي نعبّر عنه بالحرية الاجتماعية..، والكلمة الجامعة لجميع هذه المعاني هي قوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف}([32]) على ما تبيّن"([33]).
رابعاً: وجه تأكّد توجيه الأمر بالمعاشرة بالمعروف إلى خصوص الزوج
والوجه في ذلك من الممكن أن يُفهَم بالتنبّه إلى التالي:
1) أنَّ الزوج هو العنصر الفاعل المبادر أولاً منذ اختياره للزوجة، فهو الذي قرَّر اختيار هذا الميثاق الغليظ، وهو نفسه المتمكّن من فضّ هذه العُلقة الناشئة عنه، أو إبقائها، فهو منشئ الرّباط ومُدِيمُه كما يشاء، ولهذا طُولِب هو بنحوٍ آكد أن يبني هذه العُلقة على المعروف، وأن ينهيها -لو أراد إنهاءها- على المعروف، لا على المنكر بالمضارّة، والانتقام، والتشفّي، والإيذاء.
2) ولأنَّه الذي كُلِّف بالقيمومة، فهو المسؤول عن الإدارة الفعلية لهذه الأسرة، والمدير المدبِّر هو المخاطَب بالعدل، والإنصاف، والرّفق، واللين، والمراعاة، والاحتواء؛ لأنَّه صاحب الأمر والنهي، المسيِّر لحركة واتجاه سير العائلة.
3) ولأنَّه الطرف الأقوى، وفضيلة الإنسان إنَّما تظهر بكلِّ واقعية في حال الاقتدار والتمكّن والهيمنة أمام الضعيف، فضبط ميزان الاعتدال النفسي والأخلاقي حتى العدالة -المحقّقة للتقوى التي هي معيار الأفضلية كما ذكرنا- أمام من لا حول له ولا قوة، ليس كضبطه أمام الأقوى أو المساوي، كالمجتمع، أو الأشخاص الذين يتمتّعون بأقوائية اجتماعية سلطوية، فإنَّ الخيريّة أمام هؤلاء قد تكون ظاهرية تمثيلية غير واقعية؛ لاستجلاب المصالح، ولدرء المفاسد، كما هي كذلك على الأغلب؛ حيث يلحظ أكثر الناس سيرهم الاجتماعي بعين الناس، لا بعين الله تعالى، بينما الخيريّة الداخلية في بيت الزوجية عادةً ما تكون واقعيةً؛ لأنَّ:
1- التمثيل فيها مآله للافتضاح؛ لأنَّ العشرة الدائمة إلا ما ستكذبه يوماً ما؛ لمحلّ استمرار ودوام التعاطي.
2- كما أنَّ الزوج عادةً ما يستطيع التوصّل للمصالح والمنافع الزوجية حتى من دون عشرة بمعروف؛ لأنَّه الأقوى، فهو لا يحتاج أصلاً لتمثيل المعاشرة بالمعروف حتى يحصل من زوجته على ما يريد، إلا احتياجه للمنافع الكمالية -ربمّا-، ولهذا ورد عن الباقر g عن النبي e: >أيضرب أحدُكم المرأة ثمَّ يظلّ معانقها؟!<([34]).
3- لأنَّ ما يجري في بيت الزوجية مخفيٌّ على الأغلب، لا يعلم به إلا أهل ذلك البيت، فلا يكون مُلاماً أمام الناس لو تخلّى عن هذه الخيريّة، فلا يخسر شيئاً يرجوه عندهم ظاهراً بتخلّيه عنها.
إذن، فبيت الزوجية هو مكان بروز الخيريّة الواقعية عند الطرف الأقوى (الزوج)، لا المزيّفة.
وعليه، فمن بانت خيريّته الواقعية في بيته مع زوجته وعياله، فإنَّ خيريّته هذه ستكون من بابٍ أولى مع المجتمع على نحو الحقيقة، أمَّا العكس فليس صحيحاً بالضرورة، ومن ثمّة رُكِّز الأمر في المعاشرة بالمعروف على الزوج، وإن طُولِبَت به الزوجة كذلك في بعض المواطن.
خامساً: روايات أُخَر في بيان الخيرية
وممَّا تقدّم نستطيع أن نجمع بين الروايات التي ظاهرها الاختلاف في بيان وجه الأفضلية والخيرية، حيث إنَّ بعضها –كما اتضح- يجعل المعيار في الأفضلية هو الخيريّة بالنسبة إلى الزوجة والعيال، وأمَّا بعضها الآخر فيجعلها بمعايير أُخَر كأنَّها شتّى، وهي ليست كذلك، فممَّا ورد في هذا الشأن:
- ما عن النبيe: >خيركم من أعانه الله على نفسه فملكها<([35]).
- وعنه e: >إنَّ من خير رجالكم التقيّ النقيّ السّمح الكفين، النقيّ الطرفين، البرّ بوالديه، ولا يُلجئ عياله إلى غيره<([36]).
- وعنه e: >خير الناس من ينفع الناس، فكن نافعا لهم<([37]).
- وعن الأمير g: >خير الرّجال من كان بطيء الغضب، سريع الرّضا<([38]).
- وعن النبي e: >خِيارُكُم أحاسِنُكُم أخلاقاً<([39]).
- وعن الإمام الصادق e: >قالَ رَسولُ اللهِ e: ألا أُنَبِّئُكُم بِخِيارِكُم؟ قالوا: بَلى يا رَسولَ اللهِ، قالَ: أحسَنُكُم أخلاقاً، المُوَطَّؤونَ أكنافاً، الَّذينَ يَألَفونَ ويُؤلَفونَ<([40]).
- وعن الإمام الباقرg: >سُئِلَ رَسولُ اللهِ e عَن خِيارِ العِبادِ، فَقالَ: الَّذينَ إذا أحسَنُوا استَبشَروا، وإذا أساؤُوا استَغفَروا، وإذا أُعطوا شَكَروا، وإذَا ابتُلوا صَبَروا، وإذا غَضِبوا غَفَروا<([41]).
- وعن الإمام الباقر g: >قالَ النَّبِيُّ e: إنَّ خِيارَكُم أُولُو النُّهى، قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، ومَن أُولُو النُّهى؟ قالَ: هُم أُولُو الأَخلاقِ الحَسَنَةِ، وَالأَحلامِ الرَّزينَةِ، وصِلَةِ الأَرحامِ، وَالبَرَرَةُ بِالأُمَّهاتِ وَالآباءِ، وَالمُتَعاهِدينَ لِلفُقَراءِ وَالجيرانِ وَاليَتامى، ويُطعِمونَ الطَّعامَ، ويُفشونَ السَّلامَ فِي العالَمِ، ويُصَلّونَ وَالنّاسُ نِيامٌ غافِلونَ<([42]).
- وعن الأمير g: >وإن خيركم عند الله أتقاكم<([43]).
- وعنه g: >خير الناس من طهّر من الشهوات نفسه، وقمع غضبه، وأرضى ربه<([44]).
- وعنه g: >خير الناس من إن أُغْضِب حلم، وإن ظُلِم غفر، وإن أُسِيء إليه أحسن<([45]).
- وعنه g: >خَيرُ النّاسِ مَن كافا عَلَى القَبيحِ بِالجَميلِ<([46]).
- وعنه g: >خَيرُ النّاسِ مَن نَفَعَ النّاسَ<([47]).
- وعنه g: >خَيرُ النّاسِ مَن تَحَمَّلَ مَؤونَةَ النّاسِ<([48]).
- وعن الصادق g: >خياركم سمحاؤكم، وشراركم بخلاؤكم<([49]).
والملاحظ في جميع هذه الرِّوايات وغيرها، أنَّها تتكلَّم عن الخيرية بحيث تجعل معيارها هو ما يظهر من سلوكياتٍ عند الرجل بعين الاجتماع والتواصل مع الناس، وهي التقوى ذات المظاهر العملية كما تقدَّم، وهي تبدو أوَّل ما تبدو في كيان الأسرة، وبدوّها فيه -حسب ما وضّحناه في "رابعا"- آكد، وأعمق، وأشدّ إخلاصاً، فالأنفعية للناس، والأحسن أخلاقاً معهم، وأكثرهم سماحةً وسخاءً، وأبعدهم عن الغضب معهم، هو عينه الأتقى في نطاق الأسرة، والذي تعمّ تقواه المجتمع، وتحقّق الغرض في مسيرته الموافقة للفطرة السليمة، والحقّ المبين المسمّى معروفاً.
النُّقطة الثَّالثة: نماذج للمعاشرة بالمعروف
وبعد اتضاح موقع المعاشرة بالمعروف، وموضعها من الإيمان، وتحقيقها لعنوان الخيرية الواقعية، نأتي لاستعراض بعض ما حثَّ الشارع المقدَّس عليه كمجموعة من النماذج العملية المحقّقة لعنوان المعاشرة بالمعروف، ونعرض منها التالي -دون شرح وإسهاب-، بل نذكره ببعض ما جاء فيه من الروايات الشريفة:
أولا: إبراز المحبَّة
بمعنى إظهار العاطفة، وترطيب أجواء المنزل بإشاعة المحبَّة، قال تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}([50])، وعن النبيe: >قول الرجل لزوجته: إني أحبّك لا يذهب من قلبها أبدا<([51]).
وفي الخبر: >المؤمن يأكل بشهوة أهله، والمنافق يأكل أهلُه بشهوته<([52])، ولا يأكل باشتهاء أهله إلا إذا أحبّهم، وآثرهم على نفسه، ومن مظاهر المحبّة والألفة ما حثّ عليه النبيe: >وإنَّ الرّجل ليُؤجَر في رفع اللقمة إلى فم امرأته<([53]).
ثانيا: الغفران والاحتمال وإقالة العثرة
وقد جاء في ذلك: عن النبي e: >من اتخذ زوجة فليكرمها<([54])، فلا يؤذيها بإهانةٍ حتى لو بدر منها ما لا ينبغي، فعن الأمير g: >ما أكرم النساء إلَّا كريم، وما أهانهنَّ إلَّا لئيم<([55])، وعن النبي e: >اتقوا الله في الضعيفين<([56]) يعني بذلك اليتيم والنساء.
وجاء عن الصادق g: >كانت لأبي عبداللهg امرأة، وكانت تؤذيه، وكان يغفر لها<([57])، وفي جواب النبي e على سؤال خولة بنت الأسود حول حقِّ المرأة قال: >حقّك عليه أن يطعمك ممَّا يأكل، ويكسوك ممَّا يلبس، ولا يلطم ولا يصيح في وجهك<([58])، وعنه e: >من صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله من الأجر ما أعطى أيوب على بلائه<([59]).
وعن الباقر g: >من احتمل من امرأته ولو كلمة واحدة، أعتق الله رقبته من النَّار، وأوجب له الجنَّة، وكتب له مائتي ألف حسنة، ومحا عنه مائتي ألف سيئة، ورفع له مائتي ألف درجة، وكتب الله a له بكلِّ شعرة على بدنه عبادة سنة<([60]).
ثالثاً: الإسباغ والتَّوسعة في الإنفاق
وما ورد في ذلك كثير، منه: عن النبيe: >كُلُّ مَا أَنْفَقَ اَلْمُؤْمِنُ مِنْ نَفَقَةٍ عَلَى نَفْسِهِ وَ عِيَالِهِ وَ أَهْلِهِ كُتِبَ لَهُ بِهَا صَدَقَةً<([61])، ولعلَّ المقصود من ذلك بيان أنَّ فيه ثواب الصدقة، وأنَّ الإنفاق عليهم أولى من الصدقة طلباً للثواب، ويؤيّده ما ورد عنه e: >أَفْضَلُ اَلدَّنَانِيرِ، اَلْأَرْبَعَةُ دِينَارٌ أَعْطَيْتَهُ مِسْكِيناً وَ دِينَارٌ أَعْطَيْتَهُ فِي رَقَبَةٍ وَ دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ وَ إِنَّ أَفْضَلَهَا اَلدِّينَارُ اَلَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ<([62])، وما جاء عن الباقر g: >ما من عبد يكسب ثمَّ ينفق على عياله، إلا أعطاه الله بكلِّ درهم ينفقه على عياله سبعمائة ضعف<([63])، وعن الصادق g: >الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله<([64]).
وقد حذَّرت الروايات الكثيرة عن تضييع العيال، فعنه e: >مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ يَعُولُ<([65])، وعن الصادق g: >كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يعوله<([66]).
ثمَّ لم تكتفِ الروايات بذلك حتى حثَّت على التوسعة لا مجرّد الإنفاق، فعن الكاظم g: >إنَّ عيال الرجل أُسَراؤه، فمن أنعم الله عليه نعمة فليوسّع على أسرائه، فإن لم يفعل أوشك أن تزول النعمة<([67])، وعن أبي الحسن الرضا g: >ينبغي للرجل أن يوسّع على عياله لئلّا يتمنّوا موته<([68])، وعنه g: >صاحب النعمة يجب عليه التوسعة على عياله<([69])، وعن السجاد g: >أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله<([70])، وعنه g: >لَأَنْ أَدْخُلَ اَلسُّوقَ وَ مَعِي دَرَاهِمُ أَبْتَاعُ لِعِيَالِي لَحْماً وَ قَدْ قَرِمُوا إِلَيْهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ نَسَمَةً<([71])، قال الجوهري: "القرم –بالتّحريك-: شدّة شهوة اللَّحم، وقد قرِمتُ –بالكسر- إلى اللَّحم. إذا اشتهيته"([72]).
رابعاً: المعاونة في الخدمة
جاء عن النبي e لأمير المؤمنين g -بعد ما رآه في البيت ينقّي العدس، وفاطمة j جالسة عند القدر-: >اِسْمَعْ مِنِّي وَ مَا أَقُولُ إِلاَّ مِنْ أَمْرِ رَبِّي مَا مِنْ رَجُلٍ يُعِينُ اِمْرَأَتَهُ فِي بَيْتِهَا إِلاَّ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ عَلَى بَدَنِهِ عِبَادَةُ سَنَةٍ صِيَامٍ نَهَارُهَا وَ قِيَامٍ لَيْلُهَا وَ أَعْطَاهُ اَللَّهُ مِنَ اَلثَّوَابِ مِثْلَ مَا أَعْطَاهُ اَلصَّابِرِينَ - دَاوُدَ اَلنَّبِيِّ وَ يَعْقُوبَ وَ عِيسَى i
يَا عَلِيُّ مَنْ كَانَ فِي خِدْمَةِ اَلْعِيَالِ فِي اَلْبَيْتِ وَ لَمْ يَأْنَفْ كَتَبَ اَللَّهُ اِسْمَهُ فِي دِيوَانِ اَلشُّهَدَاءِ وَ كَتَبَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ ثَوَابَ أَلْفِ شَهِيدٍ وَ كَتَبَ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ ثَوَابَ حِجَّةٍ وَ عُمْرَةٍ وَ أَعْطَاهُ اَللَّهُ بِكُلِّ عِرْقٍ فِي جَسَدِهِ مَدِينَةً فِي اَلْجَنَّةِ
يَا عَلِيُّ سَاعَةٌ فِي خِدْمَةِ اَلْبَيْتِ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ سَنَةٍ وَ أَلْفِ حِجَّةٍ وَ أَلْفِ عُمْرَةٍ وَ خَيْرٌ مِنْ عِتْقِ أَلْفِ رَقَبَةٍ وَ أَلْفِ غَزْوَةٍ وَ أَلْفِ مَرِيضٍ عَادَهُ وَ أَلْفِ جُمُعَةٍ وَ أَلْفِ جَنَازَةٍ وَ أَلْفِ جَائِعٍ يُشْبِعُهُمْ وَ أَلْفِ عَارٍ يَكْسُوهُمْ وَ أَلْفِ فَرَسٍ يُوَجِّهُهُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى اَلْمَسَاكِينِ وَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَقْرَأَ اَلتَّوْرَاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ اَلزَّبُورَ وَ اَلْفُرْقَانَ وَ مِنْ أَلْفِ أَسِيرٍ أَسَرَ فَأَعْتَقَهُمْ وَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَلْفِ بَدَنَةٍ يُعْطِي لِلْمَسَاكِينِ وَ لاَ يَخْرُجُ مِنَ اَلدُّنْيَا حَتَّى يَرَى مَكَانَهُ مِنَ اَلْجَنَّةِ
يَا عَلِيُّ مَنْ لَمْ يَأْنَفْ مِنْ خِدْمَةِ اَلْعِيَالِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لِلْكَبَائِرِ وَ يُطْفِي غَضَبَ اَلرَّبِّ وَ مُهُورُ اَلْحُورِ اَلْعِينِ وَ تَزِيدُ فِي اَلْحَسَنَاتِ وَ اَلدَّرَجَاتِ
يَا عَلِيُّ لاَ يَخْدُمُ اَلْعِيَالَ إِلاَّ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ رَجُلٌ يُرِيدُ اَللَّهُ بِهِ خَيْرَ اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ<([73]).
خامسا: القيمومة والنهوض بالمسؤولية
أي: ألا يقصِّر فيها، ولا يتخلَّى عنها، فإنَّها السعادة كما ورد في الخبر، فعن الصادقg: >من سعادة الرجل أن يكون القيِّمَ على عياله<([74])، وعن الأمير g: >لاَ تُمَلِّكِ اَلْمَرْأَةَ مِنَ اَلْأَمْرِ مَا يُجَاوِزُ نَفْسَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْعَمُ لِحَالِهَا وَ أَرْخَى لِبَالِهَا وَ أَدْوَمُ لِجَمَالِهَا فَإِنَّ اَلْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ وَ لَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ<([75]).
وعن الصادق g: >رحم الله عبدا أحسن فيما بينه وبين زوجته؛ فإنَّ اللهa قد ملّكه ناصيتها، وجعله القيِّم عليها<([76]).
سادساً: التهيئة الحسنة
جاء عن السجاد g: >لا غنى بالزوج عن ثلاثة أشياء فيما بينه وبين زوجته..، واستعماله استمالة قلبها بالهيئة الحسنة في عينها<([77]).
وعن الكاظم g: >إنَّ التهيئة ممَّا يزيد من عفَّة النساء، ولقد ترك النساءُ العفةَ بترك أزواجهن التهيئة<([78]).
سابعاً: المداراة وحسن الصحبة واللين والرّفق
جاء عن الأمير g في وصيَّته لمحمَّد بن الحنفية: >إنَّ المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة، فدارها على كلِّ حال، وأحسن الصحبة لها، فيصفو عيشك<([79]).
وعن السجاد g: >لا غنى بالزوج عن ثلاثة أشياء فيما بينه وبين زوجته، وهي: الموافقة، ليجتلب بها موافقتها، ومحبَّتها، وهواها، وحسن خلقه معها..<([80]).
وعنه g: >وأمَّا حقُّ رعيتك بملك النكاح، فأن تعلم أنَّ الله جعلها سكناً ومستراحاً، وأنساً وواقية، وكذلك كلّ واحد منكما يجب أن يحمد الله على صاحبه، ويعلم أنَّ ذلك نعمة منه عليه، ووجب أن يحسن صحبة نعمة الله، ويكرمها، ويرفق بها<([81]).
وقد ورد التحذير من سوء الخلق مع الزوجة، ففي "المحجة البيضاء" للفيض الكاشاني: "وفي الخبر المرويّ: >أنّ الله تعالى يبغض الجعظريّ الجوّاظ<، قيل: هو الشديد على أهله المتكبّر في نفسه، وهو أحد ما قيل في معنى قوله تعالى: {عتلّ بعد ذلك زنيم}، قيل: العتلّ هو الفظّ اللّسان الغليظ القلب على أهله"([82]).
وعن الصادقg: قال: >أُتي رسول الله e فقيل له: إنَّ سعد بن معاذ قد مات، فقام رسول الله، وقام أصحابه، فحُمل، فأمر بغسل سعد وهو قائم على عضادة الباب، فلمَّا أن حُنط وكُفن وحمل على سريره، تبعه رسول اللهe بلا حذاء ولا رداء، ثمَّ كان يأخذ يمنة السرير مرَّة، ويسرة السرير مرَّة، حتى انتهى به إلى القبر، فنزل رسول اللهe حتى لحّده، وسوّى عليه اللبن، وجعل يقول: ناولني حجرا. ناولني ترابا رطبا -يسد به ما بين اللبن-، فلمَّا أن فرغ وحثا التراب عليه، وسوى قبره، قال رسول اللهe: إني لأعلم أنَّه سيبلى، ويصل إليه البِلى، ولكنَّ اللهa يحبّ عبداً إذا عمل عملا فأحكمه.
فلمَّا أن سوَّى التربة عليه، قالت أم سعد من جانب: هنيئا لك الجنة، فقال رسول اللهe: يا أمَّ سعد مه! لا تجزمي على ربك؛ فإنَّ سعداً قد أصابته ضمّة. قال: فرجع رسول اللهe، ورجع الناس، فقالوا: يا رسول الله، لقد رأيناك صنعت على سعد ما لم تصنعه على أحد، إنَّك تبعت جنازته بلا رداء ولا حذاء. فقالe: إنَّ الملائكة كانت بلا حذاء ولا رداء، فتأسيت بها. قالوا: وكيف تأخذ يمنة السرير مرَّة، ويسرة السرير مرة؟! قالe: كانت يدي في يد جبرئيل، آخذ حيث ما أخذ، فقالوا: أمرت بغسله، وصليت على جنازته، ولحدته، ثمَّ قلت: إن سعدا أصابته ضمَّة! فقالe: نعم، إنَّه كان في خلقه مع أهله سوء<([83]).
وبالخلق يسمو الإنسان، وقيمته مرهونة بأخلاقه، ولأجل الأخلاق بُعث النبي e ليتمِّم مكارمَها، فلا يكون الإنسان إنساناً حقيقياً إلا باقتدائه بأخلاق النبيe.
والحمد لله ربّ العالمين.
([1]) من لا يحضره الفقيه: ج3، ص555.
([2]) الأعراف: 199.
([3]) النساء: 19.
([4]) الطلاق: 2.
([5]) الطلاق: 6.
([6]) البقرة: 228.
([7]) البقرة: 227.
([8]) البقرة: 231.
([9]) البقرة 239.
([10]) مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، ص561.
([11]) التحقيق في كلمات القرآن الكريم، المصطفوي، (مادة: عرف) ج8، ص96-99.
([12]) الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص232.
([13]) الميزان في تفسير القرآن، ج8، ص380.
([14]) من لا يحضره الفقيه: ج3، ص433.
([15]) وسائل الشيعة: ج12، ص153.
([16]) مكارم الأخلاق: 216.
([17]) من لا يحضره الفقيه: ج3، ص555.
([18]) نهج الفصاحة: 472.
([19]) من لا يحضره الفقيه: ج3، ص506.
([20]) الكافي: ج4، ص11.
([21]) من لا يحضره الفقيه: ج3، ص555.
([22]) غرر الحكم: 622.
([23]) الکافي: ج5، ص332.
([24]) أمالي الطوسي: 519. وفي بعض الأحاديث: (دينه وخلقه) كما في عوالي اللئالي.
([25]) دعائم الإسلام، ج2، ص195.
([26]) المقنعة للمفيد: 513-514.
([27]) الحجرات: 13.
([28]) بحار الأنوار: ج32، ص410.
([29]) التحقيق في كلمات القرآن الكريم، المصطفوي، ج13، ص183-184.
([30]) الحجرات: 13.
([31]) آل عمران: 195. النساء: 25.
([32]) النساء: 19.
([33]) الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، ج4، ص255-256.
([34]) الكافي: ج11، ص169.
([35]) تنبيه الخواطر: ج2، ص122.
([36]) الكافي: ج2، ص57.
([37])
([38]) نهج الفصاحة: 243.
([39]) تحف العقول: 45.
([40]) كتاب الزهد للحسين بن سعيد: 76.
([41]) الكافي: ج2، ص240.
([42]) الكافي: ج2، ص240.
([43]) بحار الأنوار: ج32، ص410.
([44]) عيون الحكم والمواعظ: 240.
([45]) تصنيف غرر الحكم: 285.
([46]) عيون الحكم والمواعظ: 295.
([47]) المصدر السابق: 239.
([48]) المصدر السابق: 239.
([49]) الكافي: ج4، ص41.
([50]) الروم: 21.
([51]) الكافي: ج5، ص569.
([52]) الكافي: ج4، ص12.
([53]) مسكن الفؤاد للشهيد الثاني: ص45.
([54]) مستدرك الوسائل: ج1، ص412.
([55]) نهج الفصاحة: 472.
([56]) الكافي: ج5، ص511.
([57]) عوالم العلوم لعبدالله البحراني: 345.
([58]) مكارم الأخلاق للطبرسي: 218.
([59]) المصدر السابق: 213.
([60]) المصدر السابق: 216.
([61])
([62]) مستدرك الوسائل: ج7، ص242.
([63]) مكارم الأخلاق: 216.
([64]) الكافي: ج5، ص88.
([65]) الكافي: ج4، ص12.
([66]) المصدر نفسه.
([67]) من لايحضره الفقيه: ج4، ص402.
([68]) الكافي: ج4، ص11.
([69]) المصدر نفسه.
([70]) المصدر نفسه.
([71]) رضة المتقين: ج6، ص461.
([72]) الصحاح، الجوهري، ج5، ص2009.
([73]) بحار الأنوار: ج101، ص132.
([74]) الكافي: ج4، ص13.
([75]) الكافي: ج5، ص510.
([76]) من لا يحضره الفقيه: ج3، ص443.
([77]) تحف العقول: 323.
([78]) الكافي: ج5، ص567.
([79]) من لا يحضره الفقيه: ج3، ص356.
([80]) تحف العقول: 323.
([81]) تحف العقول: 262.
([82]) المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء، الفيض الكاشاني، ج3، ص98.
([83]) بحار الأنوار: ج6، ص220.

0 التعليق
ارسال التعليق