الملخَّص
تعرَّض الكاتبُ في هذه المقالة إلى إثارتين وشبهتين تتعلَّقان بالحجاب، وتمهدان لتشريع التبرُّج في المجتمع وناقشهما مناقشة علمية، الأولى أنَّ (الحسين للجميع) وليس خاصاً للمحجبات, وأنَّه لا تلازم بين التَّقوى وبين الحجاب، إذ التقوى حالة باطنيَّة، بينما الحجاب أمر ظاهريٌّ، والإثارة الثانية تتعلَّق بأصل تشريع الحجاب وأنَّه ليس واجباً، بل كان لظرفٍ خاصٍ، وأسهب الكاتبُ في ردِّ هذه الشبهة وأشبعها بالبحث والاستدلال على بطلانها.
المقدِّمة:
قال تعالى في كتابه المجيد، أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم، بسم اللّه الرّحمن الرّحيم: {يَا أَيُّهَا النّبِي قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}([1]).
لقد كان التَّبرُّج إلى فترة سابقة يعبِّر عن خطأ سلوكيٍّ يعدُّ موضع اعتراف لدى أهله، إلا أنَّ الخطير الغريب اليوم هو ما بعد هذا الاعتراف، والَّذي يتمثَّل في محاولات التَّأسيس والتَّنظير إلى عدم لزوم الحجاب من الأصل، وأنَّه لا يعدُّ فضيلة في نفسه، ويُستدلُّ على ذلك من نفس القرآن الكريم! حتى اغتشَّت بذلك بعضُ الفتيات جهلاً واشتباهاً، فقد كانت الحجَّة من السّافرات أنَّ الحسينg للجميع، فمع تقصيرنا فلا بأس باقتحامنا المجالس على صورة السُّفور، حيث لا يمكن أن تُحصر رحمة الحسينg على فئة المتحجِّبات ومن يؤمن بذلك فحسب، أمّا اليوم، فمع السّكوت واللّين، باتت الحجَّة هي أنَّه لا فضل أصلاً للمتحجِّبات في حجابهنَّ، وأنَّ الحضور إلى مثل هذه المجالس للفئتين على نحو المساواة من حيث اللّباس، وإنَّما الفضل هو فضل الحشمة السّلوكيَّة الَّتي ليس بالضّرورة أن تنعكس على اللّباس، وهنا نريد أن نقف على هذه المسألة عبر نقطتين؛ الأولى منهما في عرض للإشكاليَّتين المذكورتين، والثانية في نقدهما.
النُّقطة الأولى: إثارتان تؤسِّسان إلى التَّبرُّج
هنا إثارتان أساسيّتان:
الإثارة الأولى: (الحسينg للجميع)
وحاصل هذه الإثارة: إنَّ الحجاب لا يعدُّ معياراً حقيقياً للتقوى؛ وذلك أنَّه حقيقة شكليَّة ظاهريَّة، بينما التَّقوى حقيقة باطنيَّة حقيقية واقعيَّة، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ}(الحجرات:13)، فالأكرم هو الأتقى باطناً لا ظاهراً، وعلى أساس الباطن يُحاسَب النّاس، لا على أساس الظّاهر، وإلا لزم الظُّلم، ولبطلت المطالبة بالإخلاص الَّذي قام عليه الدّين، والإخلاص مسألة قلبيَّة باطنيَّة، ومن هنا نجد أنَّ المصليَ المتنسِّك المتخشِّع رياءً، لا قيمة لعمله يوم القيامة، وكذلك هي المرأة الَّتي تتباهى بحجابها شكلياً، وهي سيئة باطناً، هذه لا قيمة لها واقعاً، والقيمة الحقيقيَّة هي لتلك المحتشمة بسلوكها، المحترمة بأخلاقها، ولو كانت متبرِّجةً، فكم شاهدنا محجَّبات فاسدات؟! وكم شاهدنا سافرات محترمات مستقيمات؟! فالحجاب وما قابله مِن تبرُّج ليس هو المعيار، بل أهمُّ شيء هو سلامة القلب.
الإثارة الثّانية: (لم يثبت أصل وجوب الحجاب)
وحاصل هذه الإثارة هو: إنَّ الحجاب ليس معياراً للاستقامة والتَّقوى؛ حيث إنَّه من الأصل لم يثبت وجوبه، وما سيق من أدلَّة على وجوبه مناقش كلّه، والتَّقوى فرع الأمر، فإنَّ التَّقوى هي الامتثال للأمر والالتزام به، فحيث لا أمر من الأساس، فلا موضع للتَّقوى أصلاً، وعليه: نبقى على أصل كرامة الإنسان مهما كان لُبسه وشكله ومظهره الخارجي، حيث قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ}(الإسراء:70)، وهذا هو الأصل في الإنسان.
هذه هي الإثارة بصورتها العامَّة، أمّا هي بخصوصيّاتها فقد قالوا:
إنَّه لا دليل مطلقاً على وجوب الحجاب في الشَّريعة، وإنَّ ذلك مجرَّد فهم ذكوريٌّ حُمل على الدّين، والبديل لذلك: السُّفور والتَّبرُّج، أو: الحجاب بلا ضوابط كثيرة، أو: الحشمة والاستقامة وعدم ربطها بالملابس، ويقول هذا الفهم: إنَّ المسألة كانت تنظيميَّة اجتماعيَّة ليُمَيَّز بين الحرَّة والأَمة، وإلا فإنَّ الملاك المدَّعى في الحجاب واحد في الاثنتين، وهو يقتضي التّعميم، فحيث لا تعميم -لأنَّ تغطية الرَّأس ليست واجبة على الأَمة- سقط الملاك.
ومن هنا قالوا: إنَّه لا توجد آية ولا رواية صريحة لها مدلول قطعيٌّ على أنَّ حدود الحجاب هي عينها الَّتي يفرضها الفقهاء في هذا الزَّمان وقبله.
وبالجملة: غاية ما يمكن أنْ يُقال في الحجاب -على لسان هؤلاء-: أنَّه كان عادةً مجتمعيَّة موروثةً من بيئة خاصِّة، وقد ابتنت على حاجة اجتماعيَّة ملحَّة آنذاك، ولا يصحُّ التَّمسك بها كعبادة على حدِّ الصَّلاة والصِّيام بحيث يكون تركها معصية، وهي خاضعة لتبدُّل الأعراف مع تقادم الزَّمان.
النُّقطة الثّانية: مناقشةٌ وبيانٌ
بالرّجوع إلى الإثارتين المتقدِّمتين، نأتي لمناقشات وبيان كالتّالي:
مناقشة الإثارة الأولى
ادَّعى أصحاب هذه الإثارة جملة من الأمور، وهي:
أولاً: إنَّ الحجاب حقيقة شكليَّة ظاهريَّة، أي: أنَّها مسألة وهميَّة لا واقعيَّة لها، ولا تدلُّ على أمرٍ حقيقي.
ثانياً: التَّقوى حقيقة باطنيَّة لا دخل لها بالمظاهر.
ثالثاً: رأينا محجَّبات سيِّئات، ومتبرِّجات مستقيمات، وهذا دليل على أنَّ الحجاب لا يضيف شيئاً، كما أنَّ عدمه لا يسلب شيئاً.
والجواب عن هذه الأمور المغلوطة في التّالي:
أولاً: إنَّ الحجاب ليس مسألة ظاهريَّة
بل هو مرتبط بالحالة الباطنيَّة الأخلاقيَّة للمرأة، ودلَّت على ذلك آيات وروايات عديدة، منها: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ}(النور:60)، {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}(الأحزاب:53)، فالسِّتر مسألة مربوطة بالعفاف والطُّهر والزّكاة، وغير ذلك من الأخلاق الباطنيَّة، وهي حقائق لها كلّ الواقعيَّة، فتكون الملابس من هذه الجهة لها دلالة بحسبها على ما وراءها من واقع قلبي مريض أو مستقيم.
ثانياً: [ليس لأحد ادّعاء الوقوف على تمام علّة تشريع الحجاب]
فإذا ثبت كونُ الحجاب بحدوده المعروفة مأمورا به -وذلك ثابت كما سيتَّضح-، فليس لأحدٍ أنْ يدَّعي وقوفه على تمام العلَّة من التَّشريع بحيث إذا تحقَّق من طريق آخر -حسب المدَّعى- سقط هذا التَّشريع، فإنَّ ذلك على غرار من قال بأنَّ الصَّلاة للوصول إلى اللّه تعالى، فإذا وصل العبد، سقطت آلة الصَّلاة، إنَّ هذا انحراف خطير يمحق الدّين؛ لأنَّه من القياس الَّذي يدعي صاحبه الوقوف على تمام ملاكات الأحكام، وهذا المدَّعى باطل جملةً وتفصيلاً، فلزوم التّعبد بالأمر التَّشريعي ناتج عن هذه الفكرة الأساسيّة: (عدم التَّمكن من الوقوف على تمام علل الأحكام)، وهذا يلازم عدم إمكان ادِّعاء سقوط الحكم مع انتفاء العلَّة الظّاهرة، ومِن ثمَّة قالوا: إنَّ ما كشفته لنا النُّصوص كعلل، إنَّما هي حكم تشجع على الإتيان بالفعل، لا أنَّها تقصد بيان تمام العلَّة بحيث لو انتفت انتفى الحكم معها، حيث إنَّ بعض الآلات الموصلة لأغراضها ملحوظة بموضوعيَّة من جهة عدم إمكان استبدال غيرها بها، وهكذا هي الصَّلاة.
وكذلك هو الأمر بالنِّسبة إلى مسألة الحجاب، ادَّعى هؤلاء أنَّه ولو كان فرضاً، فإنَّه يسقط مع تحقيق علَّته من طريق غيره، فإذا كانت العلَّة هي السِّتر لتحقيق العفاف، وكانت الفتاة قد وصلت لهذا العفاف بغير حجاب، وظهر ذلك على استقامتها العمليَّة، فيسقط الحجاب في حقّها، هذا قياس باطل؛ إذ من أين لصاحبة هذا المدَّعى أن تجزم أنَّ تمام العلَّة في الحجاب هو العفاف والاستقامة العمليَّة الذاتيَّة؟! ومن أين لها أن تجزم أنَّ الاستقامة من الممكن أن تتحقَّق بلا حجاب؟! ألا يُحتمل -وهو كذلك- أن تكون هناك علل ولو بلحاظ خارج الذات، تلاحظ وضع المجتمع ككلٍّ؟! إنَّه لا سبيل أبداً إلى الجزم بهذا المدَّعى إلا الظَّن، وهو لا يغني من الحقِّ شيئاً.
ثالثاً: قولهم إنَّ التَّقوى مسألة باطنيَّة لا دخل لها بالظّاهر قول كاذب
ذلك أنَّ موضع التَّقوى هو القلب، والقلب وإن كان هو المعيار للحساب يوم القيامة، ولكن الَّذي يحدِّد الوضع الحقيقي له ذاك اليوم -ويُجعل معياراً لصلاح القلب أو فساده- هو: العمل، فادِّعاء ملاحظة القلب بما هو موضع للنوايا والأخلاق مجرَّداً عمّا يستتبعه من العمل، مخالفة فاضحة لعشرات -بل مئات- النُّصوص القرآنيَّة والرِّوائيَّة الَّتي توضِّح علاقة الإيمان -الَّذي موضعه القلب والجوانح- بالعمل -الَّذي موضعه الأبدان والجوارح-.
إذن: الباطن والظّاهر مرتبطان ببعضهما البعض في الرّؤية الدّينيَّة، بل والعقلائيَّة، فلا يمكن لعبدٍ يخاف اللَّه تعالى -أو لعاقل يحترم عقله- أن يتمشى عارياً وسط الطّريق، ولا يُقال حينئذٍ: لا تستعجلوا، فقد يكون باطنه صافياً نقياً! ذلك أنَّ الباطن الصّافي والنَّقي لا يجتمع مع هذا الظّاهر؛ لأنَّ سنخ هذا الظّاهر لا يمكن إلا أن يكون نابعاً عن شهوات ورغبات ماديَّة وأغراض شيطانيَّة.
رابعاً: لا وجود لأيِّ أمرٍ اعتباري صرف في تصرُّفات الإنسان
فكلُّ ما يبدو أنَّه اعتباري، فإنَّ له واقعاً وراءه يسنده، ويحدِّده، ويبرِّره، فاختيار المرأة هذا اللّبس دون ذاك، يأتي -وجداناً- وفقاً لما تشعر به هذه الفتاة واقعاً -وفي أعماق وجودها- من رغبات ومبررات اجتماعيَّة وذاتيَّة، كلّها واقعيَّة، ومن هنا نلحظ التَّشريعات الكثيرة جداً، والَّتي تتدخَّل لترشد الظّاهر كأمرٍ واقعي يعبِّر عن الباطن، فتجعله معياراً ومؤشِّراً.
خامساً: [مغالطة السّافرات (المستقيمات)]
من هنا نكتشف المغالطة الكبيرة في قولهم: (رأينا سافرات مستقيمات لا يتركن الصَّلاة والصَّوم بل والمستحبات، ومحجَّبات سيِّئات منحرفات)، وذلك أنَّ: الاستقامة والانحراف هنا قد استعملا في غير معناهما بالرّؤية الدّينيَّة، بل جيء بهما وفقا لأهواء لا تكلِّف نفسَها أن تسأل الدّين عن رأيه! فالمحجَّبة المنحرفة، والمتبرِّجة المستقيمة، كلاهما منحرفتان غير مستقيمتان من جهة؛ المحجَّبة من جهة سوء سلوكها وأخلاقها، والمتبرِّجة من حيث تركها الفريضة والتّعبد، وتركها لذلك يعبِّر عن استعلاء لا ينسجم مع الصَّلاة ولا الصّيام، فإذا كانت الصَّلاة باطناً، فإنَّ باطن الصَّلاة لا ينسجم مع التَّبرُّج، وهذا يكشف عن أنَّ الصَّلاة عند المتبرِّجة باطنها مختلٌّ، وإن ظهر ظاهراً على أنَّه استقامة خدّاعة! فوقع أصحابُ هذا المدَّعى فيما هربوا منه إذا لاحظت!
إذاً: الاستقامة عند هؤلاء فُسِّرت بنحوٍ تجزيئيٍّ، كما فُسِّر الانحراف عندهم بنحو تعميميٍّ، وهذا هو سرُّ المغالطة ، فسوء الأخلاق اعتُبر سوءاً عاماً حتّى من جهة لُبس الحجاب، فأفقدوا ما له قيمة (وهو لبس الحجاب) قيمته تعميماً، والاستقامة نُظر إليها من جهة عدم الانحراف الأخلاقي بالعهر والمجون، والحال أنَّ هذا جزء الاستقامة، والاستقامة في منظورها الأعمِّ ما يشمل العبوديَّة، والتَّعبد، والامتثال بالفرائض، والَّذي يشكِّل الحجاب جزءاً منه، فلبس الحجاب جزء من الاستقامة أيضاً.
فلا المحجَّبة المنحرفة امتثلت، ولا المتبرِّجة (المستقيمة)، فلكلٍّ خطؤها واشتباهها، والمستقيمة فعلاً مِن بينهما -الَّتي دعا الإسلام لوضعها- هي تلك الَّتي تحافظ على الأمرين معاً، على الحجاب كسترٍ ينبعُ من الفضيلة والطُّهر والعفاف، ويؤدِّي إلى تلك الاستقامة في نفس الوقت.
مناقشة الإثارة الثَّانية
إنَّ الشُّبهة مبتنيَّة على أساس أنَّ الحجابَ عادةٌ، وعلاجٌ طارئٌ لمشكلة اجتماعيَّة طارئة جاءت في ظرف خاصٍّ، وليست صالحة للتعميم والتّسريَّة لكلِّ زمان، وذلك بناء على مراجعة سبب نزول إحدى آيات إيجاب الحجاب، وللإجابة عن ذلك، لا بدَّ من الالتفات إلى عدَّة أمور نذكرها تباعاً.
أولاً: كيف كان وضع المرأة -حرَّة وأمةً- من حيث اللّبس قبل تشريع الحجاب؟
وما الَّذي لاحظه التَّشريع في ذلك الوضع ليؤسِّس قاعدة علاج له فيضربها كأصل شامل للجميع؟
الجواب: كان الوضع في الجاهليَّة هو التَّبرُّج بشهادة الآية، قال تعالى: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّة الأُولى}(الأحزاب:33)، والتَّبرُّج هو: "إظهار المرأة محاسنها" كما في مقاييس اللُّغة([7]) وغيره، وعلى تحقيق المصطفويِّ: "أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة هو: الظّهور والجالبيَّة، فكلُّ شيء ظاهر جالب متفوِّق فهو برج، وبهذا الاعتبار يطلق على القصر المرتفع، والبناء العالي، والحصن، والبناء على الحصن، والعين المتّسعة الجالبة إذا حسنت وجلبت وكانت نافذة، والمرأة المتزيِّنة الحسناء الَّتي أظهرت محاسنها للأجانب ونفذت فيهم"([8]).
وأمّا الوضع المدنيُّ قبل تشريع الحجاب فيتَّضح من خلال قراءة بعض أسباب النُّزول في الآيات المتعلِّقة بالحجاب، وما جاء من روايات تصف لبس النِّساء آنذاك (قبل تشريع الحجاب)، فقد جاء في الأخبار:
بالنِّسبة لقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللّه خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ}(النور:30-31)، جاء في الكافي بسنده عن سعد الإسكاف، عن أبي جعفرg قال: >اِسْتَقْبَلَ شَابٌّ مِنَ اَلْأَنْصَارِ اِمْرَأَةً بِالْمَدِينَةِ -وكَانَ اَلنِّسَاءُ يَتَقَنَّعْنَ خَلْفَ آذَانِهِنَّ- فَنَظَرَ إِلَيْهَا وهِيَ مُقْبِلَةٌ، فَلَمَّا جَازَتْ نَظَرَ إِلَيْهَا ودَخَلَ فِي زُقَاقٍ قَدْ سَمَّاهُ بِبَنِي فُلاَنٍ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ خَلْفَهَا، واعْتَرَضَ وَجْهَهُ عَظْمٌ فِي اَلْحَائِطِ أَوْ زُجَاجَةٌ فَشَقَّ وَجْهَهُ، فَلَمَّا مَضَتِ اَلْمَرْأَةُ نَظَرَ فَإِذَا اَلدِّمَاءُ تَسِيلُ عَلَى صَدْرِهِ وثَوْبِهِ، فَقَالَ: واَللَّهِ لآَتِيَنَّ رَسُولَ اَللَّهِe ولَأُخْبِرَنَّهُ، قَالَ: فَأَتَاهُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اَللَّهِe قَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَأَخْبَرَهُ، فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُg بِهَذِهِ اَلْآيَةِ: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكىٰ لَهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ خَبِيرٌ بِمٰا يَصْنَعُونَ}<([10])، ويتَّضح من خلال هذه الرواية أنَّ النِّساء كنَّ يتقنَّعن، ولكنَّهنَّ كنَّ يضعن القناع والخمار خلف آذانِهنَّ، ممّا يعني بقاء آذانهنَّ ورقابهنَّ ما يلي جيوبهنَّ مكشوفاً، فأمرت الآية بتغطية ذلك كلِّه، {ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ}.
وأمّا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النّبِي قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}(الأحزاب:59)، فقد ورد في تفسير القميِّ: >كان سببُ نزولها أنَّ النِّساء كنّ يخرجن إلى المسجد ويصلين خلف رسول اللّه’، فإذا كان اللّيلُ خرجنَ إلى صلاة المغرب والعشاء الآخرة، والغداة، يقعد الشّبان لهنَّ في طريقهن فيؤذونهنَّ، ويتعرَّضون لهنَّ، فأنزل اللَّه: {يا أَيُّهَا النّبِي قُلْ لأَزْواجِكَ..}<([12])، ويظهر من هذه الآية أنَّها تطالب بشيء أكثر من الخمار، وهو الجلباب الَّذي هو ملحفة تغطي كلّ البدن، أو أنَّها تؤكد على ما تمَّ الأمر به مسبقاً بناء على الآية السّابقة، وتدعو لعدم التَّساهل به، قال العلامة الطّباطبائيُّ: "الجلابيب جمع جلباب، وهو ثوب تشتمل به المرأة فيغطي جميع بدنها، أو الخمار الَّذي تغطي به رأسها ووجهها، وقوله: {يدنين عليهن من جلابيبهن}، أي: يتسترن بها فلا تظهر جيوبهن وصدورهن للناظرين"، فتكون هذه الآية في معنى الآية السّابقة.
ويتَّضح مما تقدِّم أن أصل الحجاب (الخمار) كان موجوداً، وربما كان من بقايا إرث التَّشريعات الإبراهيميَّة السّابقة، أو كان عرفا سائداً، إلا أن الشّارع قد أضاف إليه بعض القيود الَّتي تعالج ما دخل عليه من تراجع، وكيف كان، فلا إشكال في أنَّ الحجاب كان معهوداً بين النِّساء، والكلام في إضافة بعض القيود.
وصفوة القول هنا: إنَّ وضع النِّساء قبل تشريع الحجاب كان في ثلاثة مستويات:
الأوَّل: الجاهليَّة، وهو التَّبرُّج، وإظهار الزِّينة والمحاسن.
والثَّاني: هو المجتمع المدنيِّ قبل تشريع الحجاب، وهو إلقاء الخمار على الرَّأس من وراء الأذنين، ممَّا يستوجبُ إظهارَ العنق وجزءاً من الصَّدر، وهو نوعٌ من التَّبرُّج أيضاً.
والثّالث: هو المجتمع المدنيُّ بعد التَّشريع الأوَّل للحجاب، ويتَّسم بشيء من التَّساهل.
وقد تدرَّج الإسلام في تشريع الحجاب بناءً على المرحلتين الأوليين، أمّا الأولى فأمر بضرب الخمر على الجيوب، وأمّا الثّانية فـأمر بإدناء الجلابيب.
ثانياً: حكم تشريع الحجاب:
بعد اتِّضاح الوضع الجاهلي بالنِّسبة للبس المرأة، وما بعده في المجتمع المدنيِّ، تدخَّل الشّارع المقدَّس لتدارك هذا الخلل بإتيانه بحكم واضح لا لبس فيه، وذلك يتَّضح عبر عدَّة آيات كريمة، منها الآياتان المتقدِّمتان، وقبل التَّعرض إلى الباقي، لا بدَّ أن يُعلم بأنَّ تشريع الحجاب بحدوده المعروفة اليوم في كلمات الفقهاء، ليس كما يدعيه البعض من كونه غير واضح في النُّصوص، أو أنَّه غير ثابت، بل إنَّه -كما صرَّح الفقهاء- ثابت بالضَّرورة، أي أنَّه أمر بديهيٌّ لا يحتاج أصله إلى إثبات إلا من جهة بعض تفاصيله، كما أنَّه ثابت بالإجماعِ، وسيرةِ المتشرِّعة المتجذرِّة أيضاً([13]).
ويضاف إلى ما تقدَّم من آيتين، وتسالم، وسيرة، قولُه تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّساء اللّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ متبرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ}(النّور:60)، فإنَّ الاستثناء يدلُّ من جهة أخرى على تعميم الحكم على كلِّ من لم يندرج تحت المستثنى.
ويضاف إلى الآيات الشّريفة: الرّواياتُ الكثيرة المستفيضة الَّتي تدلُّ بمجموعها على وضوح مسألة تشريع الحجاب، وكونها من الضَّروريات والواضحات، فتأتي الأسئلة زائدة على هذا الوضوح في بعض التَّفاصيل.
قال السّيد محسن الحكيم في المستمسك تعليقاً على قول صاحب العروة: "وصحيح الفضيل: عن الذراعين من المرأة هما من الزّينة الَّتي قال اللّه تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن}؟ فقالg: >نعم<"، وصحيح البزنطي: >لا تغطي المرأة رأسها من الغلام حتى يبلغ الغلام<. ونحوهما غيرهما ممَّا ورد في هذه الأبواب، وما ورد في حرمة النَّظر إلى الأجنبيَّة بناء على الملازمة بين حرمة النَّظر ووجوب السِّتر، المفروغ عنها في ظاهر النَّص والفتوى، ولأجل وضوح الحكم في وجوب السِّتر وحرمة النَّظر لم يتعرَّض أكثر النُّصوص لها إلا عرضاً بملاحظة حكم موارد الاستثناء أو توهمه، كالقواعد، والمملوك، والخصي، والأعمى، وعند العلاج، والصّبي والصّبيَّة، والوجه والكفين، ومن يريد تزويجها، ونساء أهل تهامة ونحوهنَّ ممَّن لا ينتهينَ إذا نهين، والمرأة الَّتي تموت ليس معها محرم، وغير ذلك من الموارد المتفرقة الَّتي يعثر المتتبع على مقدار وافر منها جداً، فلاحظ"([15]).
وأمّا دعوى عدم وضوح الآيات في فرض الحجاب بهذه الحدود المعروفة اليوم على ألسنة الفقهاء، فيُكذَّب ذلك بما ورد من ألفاظ (الخمار/ الملحفة/ الجلباب/ القناع)، فكلُّها معلومة المعنى، فهذه ملابس معلومة الحدود في ذلك العصر، ولا فرق أن يأتي التَّشريع ليقول: على المرأة أن تغطي كذا وكذا فيبيِّن الضّابطة العامَّة، وبين أن يقول: على المرأة أن تلبس خصوص هذا اللّباس المعروف الَّذي لا يجهله أحد، والَّذي مآله لتغطية كذا، فيبيِّن المصداق، بل إنَّ القول الثّاني مفاده أوضح للجميع في مرحلة التَّأسيس، وهو ألطف وأدَّعى للاستجابة.
وبالجملة: إنَّ مفاد هذه الألفاظ الواردة في الآيات والرِّوايات هو السِّتر بالحدود الَّتي يذكرها الفقهاء، فضلا عن التَّفاصيل الرِّوائيَّة الَّتي تتكلَّم عن تفسير {إِلَّا مَا ظَهَرَ}، ومعنى الزّينة المستثناة من حكم لزوم التغطية، وما يتعلَّق بالعنق، والجيب، والشّعر، والقدمين، والكفين، والذراعين، فكلُّ ذلك مذكور في الرّوايات تفصيلاً.
ثالثاً: المستثنيات من حكم الحجاب؟
دلَّ الدَّليلُ الخاصُّ على استثناء عنوانين من هذا الحكم العام، وهما: القواعد من النِّساء اللّاتي لا يرجون نكاحاً -كما تقدَّمت الإشارة إليه-، وكذلك: الأَمة المملوكة، أمّا استثناء الصَّبيَّة غير البالغة فواضح.
أمَّا القواعد، فقد قال تعالى: {والْقَوَاعِدُ مِنَ النِّساء اللّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ متبرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ}(النور:60)، ومدلول الآية واضح.
وأمّا الإماء، فقد دلَّت على استثنائهنَّ جملةٌ من الرِّوايات، منها: قول الصّادقg في خبر أبي بصير: >لَيْسَ عَلَيْهَا خِمَارٌ إِلاَّ أَنْ تُحِبَّ أَنْ تَخْتَمِرَ<([17])، وخبر أبي خالد القمَّاط: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اَللَّهِg عَنِ اَلْأَمَةِ أَتُقَنِّعُ رَأْسَهَا؟ قَالَ: >إِنْ شَاءَتْ فَعَلَتْ، وَإِنْ شَاءَتْ لَمْ تَفْعَلْ<([18])، وغير ذلك من أخبار.
رابعاً: ما هو الحكم الشَّرعي بالنِّسبة للأَمة؟
فالسُّؤال هنا هو المدَّعى نفسه (التَّفريق بين حكم الأَمة والحرَّة)، فنقول: هل أنَّ الأَمة يحرم عليها الحجاب؟ أم أنَّها مخيَّرة في ذلك، وأنَّ لها أن تضعه عنها أو تضعه عليها؟ أم يكره لها الحجاب مع جوازه؟ أم يستحب لها الحجاب مع جواز تركه؟ وإذا كان يحرم أو يكره لها وضع الحجاب، فهل يحرم ذلك -أو يكره- مطلقاً؟ أم في الصَّلاة فقط؟
هناك كلام بين الفقهاء بناء على فهمهم المختلف للأدلَّة، والحاصل: التزم بعضهم بحرمة تقنُّع الأَمة كما يظهر من الشّيخ الصَّدوق، وهو شاذٌّ، ردَّه عليه من تأخَّر عنه، والتزم آخرون برجحان عدم التّقنُّع، وكراهة التّقنُّع، كما يظهر من صاحب البحار، وصرَّح به صاحب الحدائق، وذكر أنَّه المشهور، والتزم آخرون بأنَّها مخيَّرة، وكون السِّتر هو الأرجح، وقد التزم به الهمدانيّ، والمحقِّق الحليُّ في المعتبر، ولعلَّه يفهم من صاحب الجواهر أيضاً.
خامساً: ما هي العلَّة في هذا التَّفريق كما تذكرها الرّوايات؟
اتَّضح ممَّا تقدَّم أنَّ العلَّة في هذا الحكم -كما قيل، وذُكر في الرِّوايات- هي: أنَّ تُعرف الحرَّة من الأَمة، ويبدو أنَّ في ذلك مصلحة اجتماعيَّة تستدعي هذا التَّفريق في اللّبس لو صحَّت هذه العلَّة، وقد تكون مصلحة تخفيف وتسهيل على الإماء رغم وجود المقتضي فيهنَّ؛ وذلك لكون الأغلب منهنَّ كثير العمل مثلاً، أو لمحلِّ العبوديَّة والتَّقييد، فتختلف بعض الأحكام لجهة إجرائيَّة، كما هو مستقرب، وبهذا يظهر الجواب عمَّا تقدَّم في السُّؤال مِن أنَّه لا تعميم في الإلزام بالحجاب، فلا ملاك أصلاً، فالملاك موجود، وزاحمه ملاك آخر أكثر أهمّيَّة منه.
ويمكن أن يُقال: إنَّ المفهوم من لسان الرّوايات ليس هو نهي الأَمة من الاختمار، بل هي بالخيار، ويرجح لها الاختمار، وإنَّما وضع عنها اللّزوم تخفيفاً، وبالتّالي لا يصحُّ أصل السّؤال: لماذا تمنع الأَمة من الحجاب؟! فيكون الجواب: حتّى يُفرَّق بينها وبين الحرَّة؛ لأنَّ الأمر من باب السّالبة بانتفاء الموضوع، إذ لم تمنع، وإنَّما رُخَّص لها، إمّا مع ترجيح التَّغطية (الاستحباب)، وإمّا مع ترجيح عدمها (الكراهة)، وأمَّا التّحريم فشاذٌّ كما تبيَّن، وفرْق بين الأمرين -أعني المنع والتّرخيص-، وأمَّا حكمة (التَّفريق بينها وبين الحرَّة) فهو من رأي العامَّة وفقاً لعُمر، وليس من المعلوم أنَّه من رأي الشَّرع في شيءٍ حتى يؤاخذ به، وما ورد بهذا اللّسان منه محمول على التّقيَّة كما صرَّح غيرُ واحد من الفقهاء، فيمكن أن يُقال: إنَّ الشّارع لم يلزم الأَمة بتغطية الرَّأس رخصة منه لها، لا تفريقاً بينها وبين الحرَّة.
ولو تنزَّلنا ورجَّحنا قول الكراهة، بل حتّى التّحريم، فيمكن أن نقول حينئذٍ: إنَّ ملاك السِّتر متحقِّق في الاثنين، الحرَّة والأَمة، إلا أنَّ هناك مصلحة اجتماعيَّة -في ذلك العصر- قد تُفهم من بعض الأخبار تفوق في أهمَّيتها ملاك حفظ السِّتر بنحو عامٍّ شامل، استدعت تقديمها مع التّزاحم لأهمِّيَّتها، خصوصاً مع تخطيط التَّشريع لإنهاء مسألة العبوديَّة بنحو التَّدريج، بما سيلغى معه هذا الفارق الاجتماعي الطَّبقي بين الحرَّة والأَمة، فيعمّ حكم لزوم الحجاب، ولا يبقى منطبق لعدم لزومه بعد ذلك، ففي النّتيجة: عدم إيجاب الحجاب على الأَمة أعمُّ من ثبوت الملاك في حقّها من عدمه، ولا تلازم بين عدم الإيجاب وبين نفي الملاك، وقد تكون تلك المصلحة هي مصلحة التّسهيل والتّخفيف، كما قد يُستشعر من لسان الرّواية الواردة: >عَلَى اَلْجَارِيَةِ إِذَا حَاضَتِ اَلصِّيَامُ وَاَلْخِمَارُ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا خِمَارٌ إِلاَّ أَنْ تُحِبَّ أَنْ تَخْتَمِرَ وَعَلَيْهَا اَلصِّيَامُ<([19])، فكأنَّ فيها دعوة للاختمار مقترنة بالتّخيير، وقوله: >ليس عليها< يشير إلى نفي كلفة الخمار عنها، وهو متناسب مع التّسهيل والمنَّة عليها بإطاحة هذه الكلفة عنها، وفي الخبر عن الصّادقg: >لاَ بَأْسَ أَنْ تُصَلِّيَ اَلْمَرْأَةُ اَلْمُسْلِمَةُ وَلَيْسَ عَلَى رَأْسِهَا قِنَاعٌ<([20])، وهو محمول على الأَمة خاصّة، كما صرح به شيخ الطّائفة، وقوله: >لا بأس< يناسب الرّخصة والتّسهيل بعد توهم الحظر لشمول أدلَّة لزوم الاختمار الجميع، بما فيهنَّ الأَمة، وعين هذا الأمر في القواعد من النِّساء، حيث استُثنين رخصةً أيضا، قال تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّساء اللّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ متبرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ}، فمن قوله: {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} يفهم أنَّها رخصة، ومن قوله: {وأن يستعففن خير لهن} يفهم رجحان عدم وضع الثّياب حتى للقواعد؛ فإنَّه أقرب للعفة، وكذلك الإماء، وربما كان فيهنَّ أولى؛ لأنَّ فيهنَّ شابات.
ثمَّ ينبغي أن يُقال: إنَّ المستشكل يدَّعي هنا أن عدم الحجاب هو الأصل، وإنَّما فُرض على الحرَّة للتَّفريق بينها وبين الأَمة، فإذا انعدم مصداق الأَمة، وارتفعت الحاجة الاجتماعيَّة لهذا التَّفريق، عدنا للأصل، وهو عدم الحجاب.
وفي ذلك مخالفة واضحة لما هو مقطوع به من كون الحجاب أصلاً حتّى قبل تشريعه بهذه الحدود المعروفة، وهذا ما يُفهم من لسان الرّوايات المتعلِّقة بحكم عدم لزوم تغطية الرَّأس على الأَمة، حيث إنَّ السّؤال عنها خاصَّة يتناسب مع كونها استثناء من القاعدة العامَّة المرتكزة عند السّائلين، وهي لزوم الحجاب، وهذا يُفهم أيضا من استثناء القواعد من النِّساء، فالأصل هو الحجاب، لا العكس، وهو ما توافق عليه الفقهاء من شمول أدلَّة الحجاب للمرأة البالغة دون استثناء، إلا أن يثبت استثناء كما في الأَمة والقواعد.
سادسا: دَفعُ توهُّمٍ:
قد يُقال: إنّ آية فرض الحجاب الثّانية {يدنين عليهن من جلابيبهن} تدلُّ على ما ادَّعيناه من كون الأصل هو عدم الحجاب، ولكن لظرف خاصٍّ -وهو تحرُّش بعض المؤذين من المنافقين ببعض النِّساء اللّاتي كنَّ يخرجن لقضاء حوائجهنَّ في اللّيل، كما جاء في سبب نزول هذه الآية عن العامَّة، وجاء من طرقنا أنَّهنَّ كنَّ يخرجن للصلاة خلف النّبيe المغرب والعشاء الآخرة والغداة فيتعرَّض لهنَّ بعض الشَّباب- نزلت آية الجلابيب معلِّلة فرضها أن يكون الجلباب علامة على أنَّهنَّ لسن من المتهتكات ولا الإماء، فلا فيتعرَّض إليهنَّ هؤلاء، ففرض الحجاب جاء وفق ظرف خاصٍّ، وله حكمة مؤقتة، والأصل عدم الحجاب، بل فرض للتَّفريق بين الحرائر والإماء حماية للحرائر.
والجواب:
أولاً: ليست هذه الآية سابقة لآية فرض الحجاب الأخرى {بخُمُرهنَّ}، بل هي لاحقة لها، وإنَّما نزلت بعدها لتأكيد ما جاءت به الآية الأولى بعد أن رأت تساهلاً عند بعض النِّساء في الالتزام، ولذلك قالت آية الجلابيب بعدها: {وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}، وهذا يدلُّ على أنَّ فرض الحجاب كان سابقاً، وإلا لم تعتبرها الآية معصية([21]).
ثانياً: حتّى لو كانت هذه الآية ابتدأت بتأسيس الحكم، فلا يعني ذلك جعل الحجاب أمراً طارئاً تابعاً لحالة خاصّة؛ حيث إنَّ المورد لا يخصِّص الوارد، والحكم جاء معلَّلاً، ممَّا يعني التّعميم والثّبات ما دامت العلَّة، وعلَّة إمكان التحرُّش في مثل عصرنا أولى كما لا يخفى! وقد عُلِّل الحكم بأنَّ هذه الجلابيب ستكون علامة على كونهنَّ مِن أهل العفاف والصّلاح، فيُهَبنَّ من هذه الجهة، فلا فيتعرَّض إليهنَّ الفسقة، ولا يطمع فيهنَّ مَن في قلبه مرض، {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}(الأحزاب:60)، وقد قال تعالى في آية أخرى: {يَا نِسَاءَ النّبِي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى}(الأحزاب:32-33).
ثالثاً: ليس من المقطوع به أنَّ تشريع الغطاء في هذه الآية جاء للتَّفريق بين الحرَّة والأَمة فلا فيتعرَّض للأولى ويفتح فيه المجال للثانية! فقد قالتّ الآية: {يَا أَيُّهَا النّبِي قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}(الأحزاب:59)، و{وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} عامَّة تشمل الإماء، ولكن عُلم استثناؤهنَّ في غير هذا الموضع تخفيفاً كما ذكرنا.
وما جاء في الأخبار أنَّ جملة من النِّساء كنَّ يخرجن لقضاء بعض الحوائج، أو للصلاة، فيتعرَّض إليهنَّ الفسقة، فشرع الحجاب عليهنَّ لحمايتهنَّ من هؤلاء، لا للتَّفريق بينهنَّ وبين الإماء فيسمح للفسقة أن يتعرَّضوا للإماء دون الحرائر!
والتّصريح بالتَّفريق بين الأَمة والحرَّة في ذلك إنَّما جاء في كلمات بعض المفسِّرين مأخذوة من أقوال العامَّة، وأمّا ما جاء من طرقنا ما في تفسير القميّ: >وأمّا قوله {يا أيها النّبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} فإنَّه كان سببُ نزولها أنَّ النِّساء كن يخرجن إلى المسجد ويصلين خلف رسول اللّهe وإذا كان باللّيل خرجن إلى صلاة المغرب والعشاء والآخرة والغداة، يقعد الشّبان لهنَّ في طريقهن فيؤذونهن وفيتعرَّضون لهنَّ فأنزل اللّه {يا أيها النّبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين - إلى قوله - ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان اللّه غفورا رحيما}<([25]).
وهو خال كما ترى من هذا التَّفريق، فالآية غير ناظرة أصلاً للتَّفريق بين الإماء والحرائر من النِّساء، بل ينبغي استبعاده؛ لمعلوميَّة عدم رضى الشّارع المقدَّس بترك المجال للفسقة أن يتعرَّضوا للإماء! بل الآية ناظرة إلى قبح الفعل في نفسه من الفسقة، وأعطت علاجاً لحماية النِّساء منهم، ثمَّ عمدت إلى تهديدهم، {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا}، وأمَّا من ذكر هذا التَّفريق وأقحمه في الآية من مفسرينا، فأمّا أنَّه ذكره ناسباً إياه للعامَّة، كما صنع الشّيخ في التّبيان، أو أنَّه ذكره مجاراةً لما في تفاسير العامَّة، أو غفلةً بتسرب ما جاء عنهم في كتبنا دون التّفات للّوازم، وإلا ففي كتبنا الرّوائيَّة الَّتي بيَّنت سبب نزول هذه الآية، ليس ثمَّة أثر من هذا التَّفريق كما عرفت، إذ جاء فيها ما جاء في تفسير القميّ، ولهذا ذكر الهمدانيّ N في (مصباح الفقيه) أنَّ هذا التّعليل دائر في ألسنتهم –أي العامَّة-، مأخوذ عن عمر، وهذا الرّأي هو الَّذي استقربه العلامةُ الطّباطبائي في ميزانه.
والحاصل: إنَّ إقحام مسألة التَّفريق بين الحرائر والإماء في هذه الآية ليس في محلِّه، بل هو مخالف لروح التَّشريع المعلوم من هذه الآية ومن ذوق الشّارع الَّذي يريد أن يحسم أيَّ مادة في الإغراء بالتَّعرض للنِّساء إماءً كنَّ أم حرائر، فالآية تريد أن تحمي (نساء المؤمنين) عامَّة من التحرُّش بفرض الحجاب عليهنَّ، وهذا يشمل الإماء، إلا أنَّ هناك مصلحة أخرى (وهي مصلحة الرّخصة والتّسهيل، أو غيرها ممّا خفي عنّا) قد غلبت على هذه المصلحة بحسب الشّارع، فاستثنتهنَّ من هذا الحكم العامّ الَّذي يشملهنَّ في الملاك، وذلك بمقتضى التّزاحم، وتقديم الأهمِّ على المهمِّ.
سابعاً: فرض الحجاب أكبر من حاجة آنيَّة طارئة
إنَّه مع جمع مداليل الآيات الَّتي تتكلَّم عن مسألة السِّتر وما نصطلح عليه اليوم بالحجاب، نقف بكلِّ وضوح على أنَّ مسألة الحجاب ليست مسألة آنيَّة تابعة لمصلحة طارئة، بل هي أكبر من ذلك بكثير، ويظهر ذلك من خلال أمرين:
الأمر الأوَّل: التّعليلات الموجودة في آيات فرض الحجاب وما قاربها؛ حيث إنَّها تدلُّ على كونه عبادة مشرعة لمصلحة ثابتة تابعة للنَّوع والطَّبع المستمر في الإنسان، لا أنَّه مجرد عادة تابعة لنمط تفكيريٍّ وبيئيٍّ خاصٍّ بزمان معين يتبدَّل بتبدُّله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النّبِي قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}(الأحزاب:59)، وقال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}(النور:30)، وقال: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}(الأحزاب:32)، وقال: {وَإِذَا سَألتّمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ}(الأحزاب:53).
الأمر الثّاني: إنَّ الأحكام المرتبطة بالحجاب ليست مقتصرة على نوع اللّبس الذي تلبسه المرأة، بل إنَّ الحكمة التَّحصينيَّة المُشيعة للفضيلة التي أوجبت فرض الحجاب، والتَّدخُّل في نوعيَّته، أوجبت أيضاً مجموعة من القيود والأحكام بين الأمر والنَّهي، فكما أمرت بالحجاب بالاختمار والتَّقنع والتَّجلبب، والتَّعفف، فكذلك نهت عن الضرب بالأرجل، والخضوع في القول، وإبداء الزِّينة، وأمرت بغضِّ البصر للرِّجال والنِّساء على حدٍّ سواء، وغير ذلك الكثير، فيُفهم من ذلك أنَّ المسألة ليست إجرائيَّة تابعة لمصلحة اجتماعيَّة منتهيَّة، بل هو تشريع بباقة متكاملة تطال كلَّ ما مَن شأنه أن يوضِّح الطريق الأصلح للمرأة والرَّجل، وتحديد طبيعة العلاقة بينهما في هذا الشأن.
وبهذه التَّشريعات تُحفظ قيمة المجتمع من البهيميَّة، وتُشاع الفضيلة، ولهذا تشعر المرأة المؤمنة أنَّ أهم ما تملكه ممّا يحقِّق ذاتها وحضورها ويقوّي مجتمعها: عفتُها وسترها.
ولهذا يشعر المؤمن أنَّ من أعظم ما يحقق ذاته وحضوره ويقوّي مجتمعه: غيرتُه، وعفَّته.
وأنَّ مِن أنبل الأخلاق: حفظ النِّساء، والمحاماة عنهم.
والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على محمَّد وآلِه الطَّيبين الطَّاهرين.
([1]) الأحزاب : 59.
([2]) الحجرات : 13.
([3]) الإسراء : 70.
([4]) النور : 60.
([5]) الأحزاب : 53.
([6]) الأحزاب : 33.
([7]) معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج1، ص238.
([8]) التحقيق في كلمات القرآن الكريم، المصطفوي، ج1، ص242.
([9]) النور : 31.
([10]) الكافي، الكليني، ج5، ص521.
([11]) الأحزاب : 59.
([12]) تفسير القمي، ج2، ص196.
([13]) راجع ما قاله السّيد البروجرديُّ في (تقرير بحث السّيد البروجردي في القبلة، السِّتر والسّاتر، مكان المصلي)، وما قاله السّيد مصطفى الخمينيُّ في (مستند تحرير الوسيلة)، وما قاله السّيد محسن الحكيم في (المستمسك)، والسّيد الخوئي، وغيرهم.
([14]) النور : 60.
([15]) مستمسك العروة الوثقى، السيد محسن الحكيم، ج5، ص240.
([16]) النور : 60.
([17]) الاستبصار، الطوسي، ج2، ص123.
([18]) الذكرى، الشهيد الأول، ج3، ص10، وعنه في وسائل الشيعة، الحرُّ العاملي، ج4، ص412.
([19]) الاستبصار، الطوسي، ج2، ص123.
([20]) الاستبصار، الطوسي، ج1، ص389.
([21]) انظر: الأمثل، ج13، ص349.
([22]) الأحزاب : 60.
([23]) الأحزاب : 32-33.
([24]) الأحزاب : 59.
([25]) تفسير القمي، ج2، ص196.

0 التعليق
ارسال التعليق