آثار تطبيق آليَّات الأمن الاجتماعيّ في القرآن الكريم

آثار تطبيق آليَّات الأمن الاجتماعيّ في القرآن الكريم

الملخص

استكمالا لمقالات سابقة تعرض الكاتب إلى الآثار المهمة إذا طبقت آليات الأمن الاجتماعي الذي ذكرها القرآن الكريم، وذكر ستة أقسام من هذه الآثار، وهي الآثار العبادية، والأمنية، والمعيشية، والأمن على العفة، والشخصية النفسية، والاجتماعية، مستفيدا في ذلك من آيات القرآن نفسه.

 

المقدِّمة

إنّ تطبيق آليات الأمن الاجتماعيّ التي طرحها القرآن والإسلام([1]) بدايةٌ للمستقبل الأكمل، فإنّه بتوافر الأمن تُشبَع الاحتياجات الأساسيّة للإنسان([2])، فإذا أمن الإنسان استقرّت حياته، فيعيش النهار وينام الليل مرتاحًا، دون أن يستغرق في التفكير فيما يحتاج إليه وما يخاف منه، ويحصّل ما يحتاج من أكلٍ وشربٍ، ويأمن على نفسه وعرضه وماله وأهله، وتستقّر علاقته مع الله تعالى، ومع الأسرة وعامّة الناس، وتتحقّق مكانته الاجتماعيّة، ويشعر باحترام الناس له، فإذا توفّر كلُّ ذلك استخدم ما يملك من قدراتٍ ومهاراتٍ في تحقيق ذاته بأكبر قدر ممكن من الإنجازات.

وتفصيلًا، إنَّ لتطبيق آليات الأمن الاجتماعيّ آثارًا كثيرةً وكبيرة، يمكن عدّها في ستّة أقسام رئيسة: عباديّة، أَمنيّة، ماليّة، جنسيّة، شخصيّة ونفسيّة، واجتماعيّة.

القسم الأوّل: الآثار العباديّة

وهي من أسمى الآثار؛ لكونها تتعلّق بالعلاقة بين العبد والمعبود، وفيها أثران: تكامل العبادة، ونشر القيم الإسلاميّة.

الأثر الأوّل: تكامل العبادة

إذا أمن واطمأنّ الإنسان كان قادرًا على التفرّغ للعبادة، بل يتكامل في عبادته، فلا منغّصات تشغل باله عن العبادة، يقول تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}(قريش:4-5). فالقرآن يخاطب قريش بأنّه بعد أن آمنهم وأطعمهم، فلا شيء يجوّز لهم عبادة الأصنام والكفر بأنعم الله تعالى، بل المأمول منهم بعد ذلك أن يعبدوا الله تعالى([4]). وربط القرآن بين سعة الأرض والبعد عن أذيّة الكفار وبين العبادة، يقول تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}(العنكبوت:56)، فإذا ضاقت الأرض على الإنسان لفقرٍ أو خوف سلطان، فإنّ أرض الله واسعة يهاجر إلى موضع يستطيع فيه عبادة الله في طمأنينة([6])، وربط القرآن بين الأمن وبعض العبادات بخصوصها كالحجّ في قوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي}(البقرة:196)، والصلاة كما في قوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ, فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}(البقرة:238-239).

الأثر الثاني: نشر القيم الإسلاميّة

إذا أمن المسلم على نفسه، وأمّن احتياجاته الأساسيّة، وأُعطِي الحريّة في فعل ما يحبّ، صنع مجتمعًا صالحًا تُنشَر فيه القيم الإسلاميّة، يقول تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}(الحجّ:41)، فتُحيَى أحكام الإسلام، ويتكافل الناس فيما بينهم، ويُقَوَّم المتخلِّف ومن يزلّ عن الصراط منهم([10]).

القسم الثاني: الآثار الأَمنيّة

وهي من الآثار الأساسيّة في حياة الإنسان، فلا هناءة لفرد ولا مجتمع، من دون استقرار الأمن، بل لا يقوم مجتمع كما يجب إذا لم يتوافر على الأمن داخله، وهنا أربعة آثار: حماية النفس الإنسانيّة، وترسيخ العدل والسلام، وتعظيم الجرائم وردع المجرمين، وحفظ الحقوق.

الأثر الأوّل: حماية النفس الإنسانيّة

إنّ التمسّك بما أورده القران الكريم من آليّات تطبيق الأمن الاجتماعيّ يؤدّي إلى حفظ حياة الإنسان وصيانتها، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ}(الإسراء:33)، فيضمن الإنسان أنّه لا يتعرّض له أحد بأذية، ويضمن حفظ حياته.

الأثر الثاني: ترسيخ العدل والسلام

حثّ القرآن صريحًا على أداء العدل ونهى عمّا يقوّضه، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(النحل:90)، وبيّن آثار أداء العدل، كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}(الأنعام:82)، وبيّن آثار الظلم، كما في قوله تعالى: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}(الأنعام:135).

ومن جهةٍ أخرى فإنّ مؤدّى تطبيق الأحكام والآداب التي ذكرها القرآن في آيات كثيرة هو تطبيق العدل، فقدّم القرآن بهذه الآيات تعليمات عمليّة لتطبيق العدل على كلّ الناس من دون النظر إلى مقاماتهم وأنسابهم، وما أشبه من التشريفات التي يتّخذها الإنسان لنفسه، ولم يقتصر على التنظير فقط، وهذه الخطوات تسير في طريق ترسيخ العدل والسلام، واستئصال الفساد، والظلم والجور.

الأثر الثالث: تعظيم الجرائم، وردع المجرمين

الناظر إلى الآيات التي تتعرّض لمختلف الجرائم الماديّة والمعنويّة يرى التشديد في وصفها وتمثيلها وفي العقاب عليها، سواء العقاب الدنيويّ أم الأخرويّ، الماديّ أم المعنويّ، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(المائدة:33)، فوصف المحارب للناس أنّه محارب لله، وله عذاب دنيويّ من القتل والصلب والقطع من خلاف، والعقاب المعنويّ بالخزي في الدنيا، والعقاب الأخرويّ الذي لم يبيّنه القرآن لبيان عظمه وأنّه لا يعلمه إلّا الله تعالى([16]).

وقد يهوّل القرآنُ الجرمَ بأن يعتبر الجرم في حقّ الواحد كالجرم في حقّ الجميع تخويفًا وترهيبًا من أن يرتكب أحدٌ هذا الجرم([17])، كما في قوله تعالى: {..مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا..}(المائدة:32)، ويبلغ العذاب الأخرويّ بالمجرم أنّ يتمنّى لو يفتديه أحدٌ من العذاب يوم القيامة، ولكن لا يفيده أحدٌ حتى أقرب الأقرباء له([19])، كما في قوله تعالى: {.. يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ * كَلَّا ۖ إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ * وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ}(المعارج:11-18)، بل ربط اتّقاء بعض الجرائم بالثواب كالغنى([21])، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ}([22])، كلّ هذه الآيات وغيرها تعظّم الجرائم في نفس الإنسان وتردع المجرمين من تكرار جرائمهم، وتردع غيرهم من الإقدام على الجرائم، فلا يقترب منها أحد، ولا يفكّر فيها لعظم عقابها، فضلًا عن الإقدام عليها.

الأثر الرابع: حفظ الحقوق

أمْرُ القرآن بالعدل ونهيُه عن بعض الجرائم -كالرشوة وأداء الأمانة- يضمن للإنسان حفظ حقوقه، فإذا امتنع المتقاضي عن تقديم الرشوة، وامتنع الحاكم عن تسلّمها امتثالًا لأوامر القرآن ونواهيه، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}(البقرة:188)، حُفِظ حقُّ المتقاضي، وضُمِن وصول الحقّ لمن يستحقّه، وكذلك إذا التزم الناس بأداء الأمانة ضَمِن الإنسان رجوع ماله إليه، وإلّا ضاعت الحقوق وأصبحت لعبة بيد المجرمين، يعطونها من يشاؤون، ويمنعونها عمّن يشاؤون([24]).

القسم الثالث: الآثار المعيشيّة والاقتصادّية

من الأمور المهمّة في حياة الإنسان والمجتمع هي الأمور المرتبطة بالمعيشة والاقتصاد، ولذا كانت للآثار المرتبطة بها أهمّيّة كبيرة، نذكر هنا جملة من هذه الآثار؛ حفظ الأموال، نموّ الثروة وتحريك الأموال، القضاء على الفقر، القضاء على الفجوة الماليّة، ترشيد الإنفاق وحفظ الموارد، والقناعة.

الأثر الأوّل: حفظ الأموال

الالتزام بما ورد في آيات القرآن الكريم في مورد تحصيل الأموال، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ..}(البقرة:188)، واشتراط أن يكون تحصيلها بالحلال يضمن حفظ أموال الناس([26])، وأنّها لا تُسرَق، ولا تُختلَس، ولا تُجحَد كما في الدَّين، ولا تُؤخَذ بالباطل كما في الرّبا.

بل حتى مثل المرابي إذا تاب فإنّ له ماله، فلا يعني تعامله بالرّبا مصادرة جميع أمواله، كما في قوله تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}(البقرة:279).

الأثر الثاني: نموّ الثروّة، وتحريك الاقتصاد

إنّ الامتناع عن تحصيل الأموال بالطرق المحرّمة -كالتعامل بالرّبا مثلًا- يؤدّي إلى التكاسل وعدم تحرّك الأموال في المجتمع ونموّها النموّ الصحيح الذي أراده لها القرآن، ففي التجارة يسير المتعاملان في طريق الإنتاج والاستهلاك، بينما المرابي لا يخطو خطوة إيجابيّة في هذا الجانب، بل يكنز الأموال، ويزعزع قواعد الاقتصاد الذي هو أساس من أساسات المجتمعات([28]). هذا وإن أموال الرّبا تُمحَق وتنقُص تدريجيًّا، حتى تصل إلى الفناء، بينما تنمو أموال التجارة وتزيد البركة فيها([29]).

الأثر الثالث: القضاء على الفقر

حثّ القرآن على التكافل الاجتماعيّ الماليّ الواجب والمستحب، والمتمثّل في الزكاة، والخمس، والصدقات، وهذا التكافل الاجتماعيّ الماليّ خطوة كبيرة في مكافحة الفقر، ولو قُدِّر أن يُطبَّق دفع الأموال من الجميع، وصرفها بالعدل لفاض بيت مال المسلمين بالأموال، وقُضِي على الفقر، ووصل الفقراء إلى حدّ الغنى على الأقلّ.

الأثر الرابع: القضاء على الفجوة الماليّة

إذا وصل الفقراء إلى حدّ الغنى، ولم تزِدْ ثروات الأغنياء بالحدّ الفاحش كما يحصل ذلك عند التداول الحرام للأموال، وعدم الالتزام بتعاليم القرآن في تحصيل الأموال وإنفاقها، تناقصت الفجوة الماليّة بين الفقراء والأغنياء، وبتبعها تتناقص الفجوات الطبقيّة والتشريفيّة بينهم كذلك، يقول تعالى: {مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ}(الحشر:7)، فيؤدّي تطبيق أحكام القرآن بالنسبة للأمور الماليّة إلى عدم تركّز الثروات بيد فئةٍ محدودة تتداولها فيما بينها، وبذلك تُشبَع كلّ الحاجات المشروعة([31]).

الأثر الخامس: ترشيد الإنفاق، وحفظ الموارد

إذا التزم الناس بعدم الإسراف والتبذير، والتزموا بعد الإنفاق غير المحلّل، وعدم البذخ، فإن ذلك يؤدّي إلى ترشيد الإنفاق، والحفاظ على الموارد العامّة، حتى لا يتسبّب الإسراف والتبذير في تناقصها وفقر الأجيال القادمة([32]).

الأثر السادس: القناعة

إنّ العمل بالأحكام الإسلاميّة من الابتعاد عن الإسراف والتبذير، كما في قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}(الأعراف:31)، وعدم خوف الفقر، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ}(الإسراء:31)، وعدم الاستنكاف من تزويج الفقراء، كما في قوله تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(النّور:32)، كلُّ ذلك يؤدّي بالإنسان إلى قبول وضعه الماليّ والقناعة بما لديه، والرضا الداخليّ، فلا يطمع فيما لدى الآخرين، ولا يصل إلى حبّ ما في يد غيره والتعلق به([36])، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}(طه:131)، ويصل الإنسان إلى مرحلة الغنى المطلق والكفاف عن الناس إذا وصل إلى القناعة، فعن أمير المؤمنينg أنّه قال: «وَإِنْ سَرَّكَ أَنْ تَكُونَ أَغْنَى اَلنَّاسِ فَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اَللهِa أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِكَ، يَا أَبَا ذَرٍّ، لَوْ أَنَّ اَلنَّاسَ كُلَّهُمْ أَخَذُوا بِهَذِهِ الآيَةِ لَكَفَتْهُمْ؛ {... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}([38])»([39]).

القسم الرابع: أثر الأمن على العفّة

وأثر العفّة أوضح في كونه يؤثّر في داخل الإنسان بالاستعفاف، ويؤثّر في علاقاته مع الآخرين؛ فلا يتعدّى على غيره، ولا يتعدّون عليه، وهنا جملة من الآثار؛ وهي القضاء على الفحشاء، وحفظ النسل، وحماية الأعراض، وستر العورات، وتربيّة الأطفال على العفّة.

الأثر الأوّل: القضاء على الفحشاء

اتّخذه القرآن تركيبة متكاملة لحصار الفواحش، وهذه التركيبة خير طريق للقضاء على الفواحش، ومنع انتشارها بين الناس، واستسهالها، والاستئناس بها، سواء القوليّة منها أم الفعليّة، فيصبح المجتمع عفيفًا طاهرًا من الفواحش، ويمكن بيان طريق القرآن في حصار الفواحش كما يلي:

أ. النهي عن الفاحشة:

كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}(الإسراء:32).

ب. العقاب على الفاحشة:

 كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا}(الفرقان:68-69)، وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(النُّور:19)، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(النُّور:4)، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(النُّور:23).

جـ. الوقاية من الفاحشة:

كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }(النُّور:27)، وقوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * قُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ..}(النُّور:30-31)، وقوله تعالى: {.. وَإِذَا سَالتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ}(الأحزاب:53)، وقوله تعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا}(الأحزاب:32).

د. تنظيم الدوافع الفطريّة للإنسان:

كما في قوله تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ}(النُّور:32)، وقوله تعالى: {.. وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}(النّساء:24).

والتزام كلّ واحد من هذه الطرق هو أثرٌ في نفسه.

الأثر الثاني: حفظ النسل

النهي عن قتل الأولاد للفقر أو خشية منه من جهة، وحفظ التقارب بين الجنسين في دائرة الزوجيّة يحفظ النسل، فلا الفقير يقتل ولده، ولا زنا فيتولّد منه ابن الزنا، الذي إمّا يُقتل خوفًا من عواقب افتضاح والديه، أو يبقى على حياته وتختلط الأنساب ولا يعرف مَنْ ابنُ مَنْ.

الأثر الثالث: حماية الأعراض

إنّ من أكبر الأسباب التي شنّ القرآن الحرب على البهتان والقذف والغيبة لأجلها هو الحفاظ على أعراض الناس وكرامتهم من أن تمسّ، ويشهّر بها، وإسقاط هويّة الإنسان الاجتماعيّة.

الأثر الرابع: ستر العورات وعدم كشفها

أمر القرآن بالاستئذان عند دخول البيوت، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }(النُّور:27).

وغضّ البصر، كما في قوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * قُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ..}(النّور:30-31).

ونهى عن التجسس، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا..}(الحجرات:12)، ونشر الأسرار، ليصون العورات ويحفظ أسرار الناس، وما لا يريدون لغيرهم الاطّلاع عليه.

الأثر الخامس: تنشئة الأطفال على العفّة

إنّ تعويد الطفل الذي لم يبلغ الحلم على الاستئذان درس عمليّ في العفة، وتجنيبه ما يمكن أن يفتح آفاق عقله على النظرة الحرام، حيث يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(النُّور:58)، والقرآن وإن صرّح بتعويد الأطفال على الاستئذان، إلّا أنّ تعويدهم لا ينحصر في ذلك، بل يشمل جميع الأوامر والنواهي التي ذكرها القرآن لصناعة وصيانة عفّة الإنسان، فتُطبَّق على الطفل بما يتحمّله ويناسبه، ليكون ذلك صناعة له من جانب العفّة.

القسم الخامس: الآثار الشخصيّة والنفسيّة

وهي ما يتعلّق ببناء الإنسان الشخصيّ، وبناء نفسيّته، وهنا سبعة آثار: حفظ اللسان، وحفظ الكرامة، وطمأنينة التائب، وهداية الجاهل وردع العاصي، وتحمّل المسووليّة، وتعزيز الرقابة الذاتيّة، والاستقرار النفسيّ.

الأثر الأوّل: حفظ اللسان

إذا اطّلع الإنسان على آيات القرآن التي تتكلّم عن اللسان وآفاته، والعقوبات الدنيويّة والأخرويّة على ما يصدر من اللسان، حفظ لسانه، وعرف خطر الكلمة ونتائجها، فإنّه يحفظ نفسه لذلك، ويحفظ الآخرين ممّا قد يصدر منه إذا لم يحفظ لسانه، فلا يتجرّأ على تهمة الناس، أو الكذب عليهم، أو غِيبتهم.

الأثر الثاني: حفظ الكرامة

إنّ محاربة ما يحطّ من كرامة الإنسان، سواء من عمل نفسه، كارتكاب محارم الله، كما في قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(البقرة:114)، أم من عمل غيره، كالاستهزاء والسّخرية واللّمز والتّنابز، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْألقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(الحجرات:11)، وكذلك توقّي الحطّ من كرامته عن قصد أو عن غير قصد.

بل إنّ القرآن كان دقيقًا في هذا الشأن؛ فحثّ على صدقة السرّ، حتى لا يُريق السائلُ ماءَ وجهه، كما في قوله تعالى: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}(البقرة:271)، كلّ ذلك محاولة لحفظ كرامة الإنسان في نفسه وفي مجتمعه.

الأثر الثالث: طمأنينة التائب

ذكرت الآيات أنّ الله يقبل توبة عبده إذا أناب إليه، كما في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}(الشُّورى:35)، وبيّنت الآيات أنّه ليس للناس التعدّي على الإنسان بحجّة أنّه قد فعل الفعل الفلانيّ في الزمن الماضي، فلا يحمّلونه أكثر ممّا حمّله الشارع، كما في قوله تعالى: {مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ}(الإسراء:15)،وهذا مما يُطمئِن التائب، ويثبّت توبته، فلا يحسّ أنّه غريب في المجتمع بعد توبته، فتسقط تبعات ما فعل من غير حقوق الناس، ولا يعيّره الناس بما فعل، وكذا يشجّع هذا الأمرُ المذنبَ الذي لم يتبْ حتى على التوبة إذا رأى تعامل الناس مع التائب.

الأثر الرابع: هداية الجاهل وردع العاصي

من آثار التواصي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هداية الجاهل إلى طريق النجاة، وردع العاصي الملتفت، فلا يكون الإنسان جاهلًا عن أحكام الله في المجتمع الآمن الذي يطبّق أحكام القرآن.

الأثر الخامس: تحمّل المسؤوليّة

ومن آثار التواصي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحمّل المسؤوليّة كذلك، فلا يترك الإنسان الحبل على الغارب، بحجّة أنّه يأتمر بأوامر الله وينتهي عن نواهيه، وليس عليه جُناح فيما فعل غيره، فإنّ من هذه الأوامر التواصي بين الناس، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

الأثر السادس: تعزيز الرّقابة الذاتيّة

إنّ الوعي بأحكام القرآن ومعرفة أخطارها الفرديّة والاجتماعيّة، ومعرفة عقوباتها الدنيويّة والأخرويّة، يعزّز الرقابة الذاتيّة عند الإنسان؛ لأنّه يعرف خطر كلّ حركة قد تصدر عنه، وأنّ الجزاء يناله لا محالة، إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة، ويساعده في ذلك المجتمع الذي يطبّق الأحكام القرآنيّة، بخلاف المجتمع الذي لا يطبّقها، فإنّ الفرد يكون وحيدًا فيه، فإمّا أن يكون منهم، أو ينزوي عنهم، وقليلٌ من يستطيع أن يؤثّر إيجابيًّا فيهم.

الأثر السابع: الاستقرار النفسيّ

إذا اتّبع الإنسان الأحكام القرآنيّة، وعاش في مجتمع يطبّق أحكام القرآن، وتعامل مع من يطبّقها كذلك، كانت نفسه مستقرّة، فلا يسيطر عليه الخوف على نفسه وماله وعرضه وعائلته، بخلافه في المجتمعات التي تعيش حياة الوحوش في الغابة، فأقلُّ ما ترى في هذه المجتمعات من خوفٍ واحتياطٍ كثرةُ الكاميرات الأمنيّة في البيوت والمحلّات، وكثرة الأبواب الثقيلة، وما أشبهها من الأمور التي تمنع السرقات والتعدّي.

القسم السادس: الآثار الاجتماعيّة

وهي ما يرتبط بالعلاقات الاجتماعيّة مع الآخرين بشكل مباشر، وفيه تسعة آثار: الوحدة الإنسانيّة، وشياع الثقة، وشياع التسامح، وشياع حسن الظنّ، والترابط الأخويّ، وحماية الأسرة، ومواجهة الظروف الطارئة، والخضوع للقانون، وتحقيق العدالة الاجتماعيّة.

الأثر الأوّل: الوحدة الإنسانيّة

حارب القرآن أسباب الفرقة والتمزّق صراحة، وحاربها كذلك ضمن أحكامه، كتأييده على العفو وكظم الغيظ والإحسان، ولا فرق في ذلك بين شريفٍ وغيره، أو ذي حسب وغيره، فالكلّ سواسية عند الله تعالى.

الأثر الثاني: شياع الثقة بين الناس

العمل بأحكام القرآن، يجعل الفرد يطمئنّ بمن يتعامل معه، وهذه نتيجة التعامل مع الآخرين طبق الأحكام القرآنيّة، سواء في المعاملات الماليّة، فيثق أنّه لا يسرقه ولا يجحد ماله، ولا يغّشه، أم المعاملات الاجتماعيّة، فيثق أنّه يفي بوعوده، ولا يغتابه، ولا يقذفه، ولا يستهزئ به، فتُبنَى على طبق ذلك الثقةُ بين جميع أفراد المجتمع الذي يلتزم بالأحكام القرآنيّة.

الأثر الثالث: شياع التسامح

إذا التزم الناس بالأحكام القرآنيّة، والتزموا بأخلاق التعامل، وحكّموا العقل، وقدّموا حسن الظنّ، فإذا ما وقع خطأ من أحد الأفراد، فإنّ العلاقة بينهم تقوم على العفو والتسامح، بخلاف المجتمعات التي تعيش حياة وحوش الغابة، فإنّ كلّ فرد فيها يتحيّن الفرص لينتقم من الآخر، وينهب ويسلب ما يستطيع من أموال، أو ينال من الطرف الآخر بلسانه وأخلاقه.

الأثر الرابع: شياع حسن الظنّ

إنّ اتباع الأحكام القرآنيّة بشكل عامّ، واتباع الأمر بحسن الظنّ وأنّ سوء الظنّ لا يغني من الحقّ شيئًا، يؤثّر في شياع حسن الظنّ، فإذا صدر زللٌ من الإنسان فإنّه يحمله على الصحيح ما أمكنه، بخلافها في المجتمعات التي لا تراعي لله سبحانه حدودًا، فيكون فيها سوء الظنّ هو الأساس، فحتى الفعل الصحيح منهم قد يُحمَل على إرادة شيء خبيث وراء ذلك!

الأثر الخامس: الترابط الأخويّ

فإذا شاع حسن الظنّ، والعفو والتسامح، وقامت العلاقات الاجتماعيّة على ذلك، كان العلاقات الأخويّة قويّة لا يهدّدها شيء، بخلاف من يرى الآخر نِدًّا له، وأنّه يريد أن ينقضّ عليه في أيّ فرصة تحصل له.

الأثر السادس: حماية الأسرة

إنّ العيش في مجتمع مؤمن يلتزم بالأحكام القرآنيّة، ويتعامل بالتواصي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتزام الأحكام القرآنيّة بشكل عامّ، يوفّر بيئة صالحة للأسرة المؤمنة، ولتنشئة الأولاد الصالحين، بخلاف المجتمعات البعيدة عن أحكام القرآن، وهو ما يراه من تضطرّه الظروف إلى الهجرة من البلاد الإسلاميّة إلى بلاد الكفر، فإنّه يعيش التزلزل والخوف على الأسرة، ويتمّنى الرجوع إلى المجتمع الذي يلتزم بأوامر القرآن الكريم في كلّ يوم.

الأثر السابع: مواجهة الظروف الطارئة

إنّ تنامي الثقة، والترابط بين أفراد المجتمع، حتى يكون أفراده كالإخوة، يوحّدهم في مقابلة المصائب التي تعصف بالمجتمع ككلّ، كالزلازل، والفيضانات، والأوبئة، فيتسارعون إلى مساعدة بعضهم البعض، وكفالة من يتضرّر بما يضرب المجتمع، وقد كان لنا تجربة قريبة في ظلّ انتشار وباء (كورونا)، بخلاف المجتمعات البعيدة عن أحكام القرآن، والوحدة والترابط، التي عاشت حياة الفردانيّة، فيموت فيها من يموت دون أن يعلم به أحد ، ويعيش أحدهم حياة الضنك من دون أن يلتفت له أحد، فكلّ فرد يعيش لنفسه، حتى أنّه لا يهتمّ بوالديه أو أقربائه، فضلًا عن غيرهم من الناس.

الأثر الثامن: الخضوع للقانون

إذا وُجِد نظام أخلاقيّ اجتماعيّ شامل، وسادت في المجتمع المبادئُ والأخلاق في كافّة تصرّفات الأفراد وتعاملاتهم وسائر أحوالهم، ساهم ذلك في خضوع الأفراد للقانون حقيقةً، لا شكلًا ومظهرًا، وهذا ما تفرّد به النظام الإسلاميّ([60]) كما تقدّم في طيّات البحث.

الأثر التاسع: تحقيق العدالة الاجتماعيّة

إذا طُبِّقَت هذه التعاليم، ورأى الناس أثرها في الواقع المعاش، وسادت العلاقات الاجتماعيّة الإيجابيّة، التي تقدّم بعضها، وقلّت الجرائم، وتوازن المجتمع، تحققّت العدالة الاجتماعيّة، فلا ظلم ولا عدوان، ولو على نحو التفكير والظنّ([61]).

والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.


([1]) انظر: آليّات الأمن الاجتماعيّ في القران الكريم، مجلَّة رسالة القلم، العدد 79.

([2]) تدرّج الحاجات: نظريّة لـ(أبراهام ماسلو) نظّم فيها الاحتياجات الإنسانيّة الأساسيّة لخمس درجات متوقفة كلّ منها على تحقّق الدرجة التي قبلها -بحسب نظريّته-، وهذه الدرجات هي: (١. الاحتياجات الفسيولوجيّة: كالنوم، والتنفّس، والأكل، والشرب. ٢. حاجات الأمن: كأمن الجسد، والأمن الماليّ، والأمن الأسريّ. ٣. الاحتياجات الاجتماعيّة: كالعلاقات الزوجيّة، والعلاقات الأسريّة، والعلاقات الاجتماعيّة العامّة. ٤. الاحتياج للتقدير. ٥. الاحتياج لتحقيق الذات). انظر: ماسلو، أبراهام، نظريّة الدافع البشريّ، ١٩٤٣م (باللغة الانجليزيّة).

([3]) قريش: ٤-٥.

([4]) انظر: مغنية، محمّد جواد، التفسير الكاشف، ج٧، ص٦١٣.

([5]) العنكبوت: ٥٦.

([6]) انظر: الشيرازيّ، الشيخ ناصر مكارم، تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، ج١٢، ص٤٣٨.

([7]) البقرة: ١٩٦.

([8]) البقرة: ٢٣٩.

([9]) الحجّ: ٤١.

([10]) انظر: العلّامة الطباطبائيّ، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج١٤، ص٣٨٦.

([11]) الإسراء: ٣٣.

([12]) النحل: ٩٠.

([13]) الأنعام: ٨٢.

([14]) الأنعام: ١٣٥.

([15]) المائدة: ٣٣.

([16]) انظر: السبزواريّ، السيّد عبد الأعلى، مواهب الرحمن في تفسير القرآن، ج١١، ص٢٠٤.

([17]) انظر: الشيرازيّ، الشيخ ناصر مكارم، تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، ج٣، ص٦٧٨. والسبزواريّ، السيّد عبد الأعلى، مواهب الرحمن في تفسير القرآن، ج١١، ص١٧٨، وص١٧٩.

([18]) الإسراء: ٣٢.

([19]) انظر: العلّامة الطباطبائيّ، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج٢٠، ص١٠. والشيرازيّ، الشيخ ناصر مكارم، تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، ج٧، ص٤١٦.

([20]) المعارج: ١١-١٨.

([21]) انظر: العلّامة الطباطبائيّ، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج١٣، ص٨٥.

([22]) الإسراء: ٣١.

([23]) البقرة: ١٨٨.

([24]) انظر: مغنية، محمّد جواد، التفسير الكاشف، ج١، ٢٩١. والسبزواريّ، السيّد عبد الأعلى، مواهب الرحمن في تفسير القرآن، ج٣، ص٩٨.

([25]) البقرة: ١٨٨.

([26]) انظر: العلّامة الطباطبائيّ، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج٢، ص٦.

([27]) انظر: العلّامة الطباطبائيّ، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج٢، ص٤٢٢. ومغنية، محمّد جواد، التفسير الكاشف، ج١، ص٤٣٨. السبزواريّ، السيّد عبد الأعلى، مواهب الرحمن في تفسير القرآن، ج٤، ص٤٣٠. والشيرازيّ، الشيخ ناصر مكارم، تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، ج٢، ص٣٤٦.

([28]) انظر: الشيرازيّ، الشيخ ناصر مكارم، تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، ج٢، ص٣٤٠.

([29]) انظر: الشيرازيّ، الشيخ ناصر مكارم، تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، ج٢، ص٣٤٢.

([30]) الحشر: ٧.

([31]) انظر: الشهيد الصدر، محمّد باقر، بحوث إسلامية، ص٣٩٩.

([32]) انظر: الشيرازيّ، الشيخ ناصر مكارم، تفسير الأمثل في كتاب الله المنزل، ج٨، ص٤٥٨. والعلّامة الطباطبائيّ، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج١٥، ص٣٠٦.

([33]) الأعراف: ٣١.

([34]) الإسراء: ٣١.

([35]) النور: ٣٢.

([36]) انظر: العلّامة الطباطبائيّ، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج١٤، ص٢٣٨. ومغنية، محمّد جواد، التفسير الكاشف، ج٥، ص٢٥٥.

([37]) طه: ١٣١.

([38]) الطلاق: ٢-٣.

([39]) الطوسيّ، محمّد بن الحسن، الأماليّ، ج١، ص٥٢٥.

([40]) الإسراء: ٣٢.

([41]) الفرقان: ٦٨- ٦٩.

([42]) النور: ١٩.

([43]) النور: ٤.

([44]) النور: ٢٣.

([45]) النور: ٢٧.

([46]) النور: ٣٠-٣١.

([47]) الأحزاب: ٥٣.

([48]) الأحزاب: ٣٢.

([49]) النور: ٣٢.

([50]) النساء: ٢٤.

([51]) النور: ٢٧.

([52]) النور: ٣٠-٣١.

([53]) الحجرات: ١٢.

([54]) النور: ٥٨.

([55]) البقرة: ١١٤.

([56]) الحجرات: ١١.

([57]) انظر: السبزواريّ، السيّد عبد الأعلى، مواهب الرحمن في تفسير القرآن، ج٤، ص٣٩٤. والعلّامة الطباطبائيّ، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج٢، ص٣٩٧.

([58]) الشورى: ٣٥.

([59]) الإسراء: ١٥.

([60]) انظر: البياتيّ، منير حميد، النظام السياسيّ الإسلاميّ مقارنًا بالدولة القانونيّة، ص ١٣٧ الطبعة الثانية.

([61]) انظر: الجابريّ الموسويّ، السيّد فاضل، العدالة الاجتماعيّة في الإسلام، ص٢٤٠.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا